الإيجاب

احفظ هذه المقالة بتنسيق PDF



هو جعل الأمر واجباً و ثابتاً و لازماً .


الإيجاب في اللغة

[تعديل]

الإيجاب: على وزان إفعال ، من الوجوب ، وهو: الثبوت ،
[۱] المفردات، ج۱، ص۸۵۳.
[۲] لسان العرب، ج۱۵، ص۲۱۵.
[۳] المصباح المنير، ج۱، ص۶۴۸.
فالإيجاب: هو الإثبات . ومنه قول الإمام السجّاد عليه السلام :
«أوجب لنا فيه ما أوجبت لأهل المبالغة في طاعتك »،
[۵] الصحيفة السجادية، ج۱، ص۲۱۷، الدعاء ۴۴.
أي أثبت، وأوجبت البيع فوجب، أي ثبت ولزم.
[۶] المصباح المنير، ج۱، ص۶۴۸.

ومنه قوله تعالى: «فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا »، أي ثبتت على الأرض، كناية عن زهاق الروح.
ولعلّ منه قولهم في تقسيم القضايا : إلى الموجبة والسالبة، والموجبة هي التي تتكفّل إثبات حكم لموضوع، والسالبة تتكفّل نفي شي‏ء عن شي‏ء.

الإيجاب في الاصطلاح

[تعديل]

قد يستعمل الإيجاب ويراد به الإلزام الإنشائي بفعل في مقام الأمر في مقابل الإلزام التكويني المعبّر عنه بالإجبار و الإلجاء . وهذا الإلزام يكون بكلّ ما دلّ على الطلب الإلزامي كمادّة الأمر أو صيغة الأمر أو الفعل المضارع المستعمل في مقام الإنشاء .
وقد يستعمل ويراد منه خصوص الركن الأوّل من ركني صيغة العقد- كقول البائع :
(بعت هذا بكذا) - في مقابل القبول الذي هو الركن الثاني منه، ويطلق على مُنشئ الإيجاب الموجب، وعلى منشئ القبول القابل .
وقد يطلق ويراد به اللزوم في العقود، كقولهم: إذا افترق البيّعان وجب العقد ، بمعنى صار لازماً بعد سقوط خيار المجلس بالافتراق .
وقد يطلق ويراد به الضرورة .

الألفاظ ذات الصلة

[تعديل]


← الفرض


وأصله القطع و التقدير ،
[۸] المفردات، ج۱، ص۶۳۰.
[۹] المصباح المنير، ج۱، ص۴۶۹.
وكثيراً مّا يراد به الإيجاب الإنشائي، يقال:
فرض اللَّه الأحكام ، أي أوجبها.
[۱۰] المصباح المنير، ج۱، ص۴۶۹.

قال الراغب : « الفرض كالإيجاب، لكن الإيجاب يقال اعتباراً بوقوعه وثباته، والفرض بقطع الحكم فيه، قال تعالى:
« سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا»، أي أوجبنا العمل بها عليك».
[۱۲] المفردات، ج۱، ص۶۳۰.


← الإلزام


وأصله اللزوم بمعنى الثبوت و الدوام ، يقال: ألزمته، أي أثبتّه وأدمته،
[۱۳] المصباح المنير، ج۱، ص۵۵۲.
ويستعمل في الإيجاب الإنشائي كناية ؛ لاشتماله على معنى الثبوت.
قال الراغب: «الإلزام ضربان : إلزام بالتسخير من اللَّه تعالى أو من الإنسان ، وإلزام بالحكم والأمر»،
[۱۴] المفردات، ج۱، ص۷۴۰.
وأراد بالتسخير والأمر، التكويني و التشريعي .

← الاستيجاب


وهو طلب إنشاء الإيجاب والأمر به، كقول المشتري أو مريد النكاح: بعني أو زوّجنيها. وفي صحّة قيامه مقام القبول خلافٌ.
[۱۵] المبسوط، ج۳، ص۴۳۰.
[۱۶] الشرائع، ج۲، ص۱۳.
فيكون الاستيجاب طلباً للإيجاب وليس عينه .

الحكم الإجمالي ومواطن البحث

[تعديل]

تعرّض الفقهاء للإيجاب وفقاً لما جاء له من معاني استعمل فيها في الفقه ، وهي- إجمالًا - كما يلي:

← الإيجاب بمعنى الإلزام والتكليف


وهو معنى اعتباري، وأحد الأحكام الخمسة، فإذا كان صادراً من الشارع كان وجوباً وحكماً شرعياً، وإذا كان صادراً من غير الشارع- كالأب و المولى والحاكم- كان إلزاماً عرفياً.
وقد اختلف الاصوليّون في أنّ الوجوب الشرعي هل يكون بالدقّة منشئاً شرعياً، أو يكون بحكم العقل ؟ وعلى تقدير كونه منشئاً و مجعولًا من قبل الشارع هل يكون‏ مدلول صيغة الأمر ومادّته وضعاً، أو أنّه يستفاد منه بالإطلاق ومقدّمات الحكمة ، أو لا يستفاد منه أصلًا؟
ذهب بعض الاصوليين إلى عدم استفادة الوجوب؛ معلّلين ذلك بكثرة استخدام الصيغة في الاستحباب ، فتفيد حينئذٍ جامع المطلوبية لا غير، ويحتاج الوجوب إلى قرينة زائدة.
كما ذهب جمع آخر إلى أنّه بالإطلاق ومقدّمات الحكمة؛ لأنّ شدّة الشي‏ء (الطلب) من جنسه، بخلاف ضعفه (الاستحباب)، وعليه فإذا أراد المولى الاستحباب كان عليه بيان ما هو خلاف جنس الشي‏ء وهو قلّة الطلب أو ضعفه، ولمّا لم يذكر هذا القيد أمكن الاستناد إلى مقدّمات الحكمة لاستفادة الإطلاق المساوق بحسب النتيجة للفرد الشديد وهو الوجوب.
وتفصيل ذلك وغيره من البحوث المربوطة بشروط الإيجاب وموانعه وأقسامه و آثاره يراجع في علم الاصول.

← الإيجاب بمعنى الإنشاء في مقابل القبول


وهو صيغة إنشاء المعاملة، وفي مقابله القبول الذي يدلّ على قبول ما أنشأه الموجب في العقود.
وقد اختلف في حقيقته بتبع اختلافهم في حقيقة الجمل الإنشائية وما تتمايز به عن الإخبار .

←← قول المشهور في حقيقة الإيجاب


و المشهور أنّ الإيجاب بما أنّه جملة مستعملة في مقام الإنشاء حقيقته إيجاد المعنى باللفظ في وعائه المناسب له النفس الأمري، من دون فرق بين القول بأنّ الموضوع له للجمل الخبرية غير الموضوع له للجمل الإنشائية- كما هو المشهور أيضاً، كالقول بأنّ الموضوع له للأوّل النسبة التحققيّة، وللثاني النسبة الإيقاعية كما ذكره المحقّق النائيني - وبين القول بأنّ الموضوع له فيهما أمر واحد- وهو النسبة الصدوريّة- وإنّما الاختلاف في‏ الداعي ، حيث كان الداعي في الأوّل هو الاستعمال في المعنى بقصد الحكاية ، وفي الثاني الاستعمال بقصد الإنشاء و الإيجاد ، كما عليه المحقّق الخراساني .
وكيف كان، فالمشهور أنّ الجملة الإنشائية ك (بعت) في مقام الإنشاء إنّما تستعمل ليتحقّق معناها في الوعاء المناسب لها وعالم الاعتبار بخلاف الإخبار.

←← قول السيد الخوئي في حقيقة الإيجاب


وفي مقابل هؤلاء ذهب السيّد الخوئي إلى مسلك الاعتبار و الإبراز ، فإنّه قدس سره حينما خالف المحقّق الخراساني ووافق المشهور في اختلاف مدلول الجملتين، خالف المشهور في كون الإنشاء إيجاداً للمعنى باللفظ، والتزم- بناءً على مسلكه في باب الوضع وهو التعهّد - بأنّ الموضوع له للجمل الإنشائية- ومنها الإيجاب- إنّما هو إبراز اعتبار نفساني خاصّ، فإذا قصد إبراز اعتبار الملكية يتكلّم بصيغة (بعت) أو (ملكت)، وليس لهذا الاستعمال مدخل في إيجاد المعنى الاعتباري لا سبباً ولا داعياً، بل لا معنى لإيجاد المعنى باللفظ.
قال قدس سره: « الصحيح هو أنّ الجملة الإنشائية موضوعة لإبراز أمر نفساني غير قصد الحكاية، ولم توضع لإيجاد المعنى في الخارج ، و الوجه في ذلك: هو أنّهم لو أرادوا بالإيجاد الإيجاد التكويني- كإيجاد الجوهر و العرض - فبطلانه من الضروريات التي لا تقبل النزاع ؛ بداهة أنّ الموجودات الخارجيّة بشتّى أشكالها وأنواعها ليست ممّا توجد بالإنشاء، كيف؟! والألفاظ ليست واقعة في سلسلة عللها وأسبابها كي توجد بها. وإن أرادوا به الإيجاد الاعتباري كإيجاد الوجوب و الحرمة أو الملكية و الزوجيّة وغير ذلك، فيردّه أنّه يكفي في ذلك نفس الاعتبار النفساني من دون حاجة إلى اللفظ و التكلّم به؛ ضرورة أنّ اللفظ في الجملة الإنشائيّة لا يكون علّة لإيجاد الأمر الاعتباري، ولا واقعاً في سلسلة علّته، فإنّه يتحقّق بالاعتبار النفساني، سواء أكان هناك لفظ يتلفّظ به أم لم يكن.
نعم، اللفظ مبرز له في الخارج لا أنّه‏ موجدٌ له، فوجوده بيد المعتبر وضعاً و رفعاً ... فإذا قصد إبراز اعتبار الملكيّة يتكلّم بصيغة (بعت) أو (ملّكت)، وإن قصد إبراز اعتبار الزوجيّة يبرزه بقوله:
زوّجت أو أنكحت...».
هذا، وينبغي هنا الإشارة إلى مسألة مختصّة بالإيجاب، وهي أنّ ظاهر عبارات الفقهاء في أركان العقد أنّ عقد البيع - مثلًا- مركّب من إيجاب و قبول بحيث لا تتمّ حقيقته إلّابهما معاً.
ولكنّ المستفاد من عبارة الإمام الخميني أنّه بإنشاء الإيجاب تحصل حقيقة البيع بتمامه، فيما يقع القبول خارجاً عن حقيقة العقد، وتترتّب على هذا المبنى آثار تراجع في محلّها.
قال قدس سره: «والذي ينبغي التنبيه عليه مقدّمة أنّ القبول... ليس له شأن إلّا تقرير ما أوجده الموجب و تثبيته ؛ لأنّ قول الموجب: (بعتك هذا بهذا) أو (بادلت بين هذا وهذا) إيقاع لتمام ماهيّة البيع، ولا تحتاج تلك المعاملة في تحقّقها إلى إيقاع ملكية المشتري للمثمن أو البائع للثمن ؛ لأنّ ذلك أمر قد فرغ منه البائع وأوقعه، وإنّما تحتاج إلى قبول عمله حتى يترتّب عليه الأثر ، ويكون موضوعاً لاعتبار العقلاء النقل ، ففي الحقيقة شأن القبول شأن (شكر اللَّه سعيك) لا النقل و الانتقال الجديد... فما أفاده الشيخ الأعظم قدس سره من أنّ إنشاء القبول لابدّ وأن يكون جامعاً لتضمّن النقل و للرضا بإنشاء البائع، غير مرضيّ، كما أنّ ما ذكره بعض الأعاظم قدس سره من أنّ الموجب والقابل في العقود المعاوضيّة كلّ منهما ينشئ أمرين، أحدهما بالمطابقة وثانيهما بالالتزام، فالموجب ينقل ماله إلى ملك المشتري مطابقة ويتملّك مال المشتري عوضاً عن ماله التزاماً، والقابل بعكس ذلك، منظور فيه من وجوه».
[۲۴] البيع (الخميني)، ج۱، ص۳۳۳- ۳۳۴.

وتفصيل الكلام يراجع في محلّه.
وبصرف النظر عن حقيقة الإيجاب في باب العقود ودوره، فقد ذكر الفقهاء أنّه يشترط فيه- بما أنّه جزء لصيغة العقد- كلّ ما يشترط في العقد من الشروط العامّة، مثل: لزوم كونه بقصد الإنشاء، وكونه بعبارة مفهمة غير مجملة ، و إمكان وقوعه بالفعل والإشارة و الكتابة كما في العاجز عن النطق ، ولزوم تطابقه مع القبول وكونه تنجيزياً لا تعليقياً وغيرها، وغير ذلك ممّا يراجع في محلّه.

← الإيجاب بمعنى اللزوم


ويستعمله الفقهاء بهذا المعنى في باب المعاملات، فيقولون- مثلًا- البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع، أي أصبح لازماً لا يجوز الرجوع فيه.
و اللزوم حكم وضعي لا تكليفي ، يقابل الخيار أو تزلزل العقد وجواز الرجوع فيه.
وتفصيله في محلّه.

← الإيجاب بمعنى الضرورة


استعمل الفقهاء الإيجاب بمعنى الضرورة تبعاً للفلاسفة ، وذلك في بعض الأبحاث الاصولية و الفقهية ، ومن ذلك العبارة المشهورة: (الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد)، أي ما لم يكن ضرورياً وجوده ولو بالغير و ممتنعاً عدمه لم يوجد.
و التفصيل في محلّه.

← الإيجاب بمعنى المقتضي والسبب


استعمل الفقهاء الإيجاب بمعنى المقتضي والسبب، فتراهم يقولون:
موجبات الغسل ، أو موجبات الوضوء ، ويقصدون بذلك ما يقتضي الغسل أو الوضوء.
ومن هذا القبيل حديثهم عن موجبات الضمان ، وموجبات الفسخ ، وموجبات الإرث ، ويعبّرون أيضاً بموجبات الكفر ، وموجبات سجود السهو وغير ذلك.

المراجع

[تعديل]
 
۱. المفردات، ج۱، ص۸۵۳.
۲. لسان العرب، ج۱۵، ص۲۱۵.
۳. المصباح المنير، ج۱، ص۶۴۸.
۴. الوسائل، ج۳، ص۳۱۵، ب ۶ من الأغسال المسنونة، ح ۱۷.    
۵. الصحيفة السجادية، ج۱، ص۲۱۷، الدعاء ۴۴.
۶. المصباح المنير، ج۱، ص۶۴۸.
۷. الحجّ/سورة ۲۲، الآية ۳۶.    
۸. المفردات، ج۱، ص۶۳۰.
۹. المصباح المنير، ج۱، ص۴۶۹.
۱۰. المصباح المنير، ج۱، ص۴۶۹.
۱۱. النور/سورة ۲۴، الآية ۱.    
۱۲. المفردات، ج۱، ص۶۳۰.
۱۳. المصباح المنير، ج۱، ص۵۵۲.
۱۴. المفردات، ج۱، ص۷۴۰.
۱۵. المبسوط، ج۳، ص۴۳۰.
۱۶. الشرائع، ج۲، ص۱۳.
۱۷. جامع المقاصد، ج۴، ص۵۹.    
۱۸. المكاسب (تراث الشيخ الأعظم)، ج۳، ص۱۴۷-۱۵۰.    
۱۹. المحاضرات، ج۱، ص۸۱- ۸۲.    
۲۰. المحاضرات، ج۲، ص۱۳۴- ۱۳۵.    
۲۱. فوائد الاصول، ج۱، ص۱۲۹.    
۲۲. كفاية الاصول، ج۱، ص۷۱.    
۲۳. المحاضرات، ج۱، ص۸۸-۸۹.    
۲۴. البيع (الخميني)، ج۱، ص۳۳۳- ۳۳۴.
۲۵. الفوائد العلية، ج۲، ص۴۸۴.    
۲۶. الفوائد العلية، ج۲، ص۴۸۸.    
۲۷. صراط النجاة، ج۲، ص۵۶۴، تعليقة التبريزي‏.    


المصدر

[تعديل]

الموسوعة الفقهية، ج۱۹، ص۲۷۴-۲۷۹.    



جعبه ابزار