خطبة أمير المؤمنين يوم الفطر

احفظ هذه المقالة بتنسيق PDF



مصباح المتهجّد عن جندب بن عبد اللّه الأزدي عن أبيه، إنَّ عَلِيّاً (علیه‌السّلام) كانَ يَخطُبُ يَومَ الفِطرِ، فَيَقولُ: «الحَمدُ للّه ِِ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ، وجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنّورَ، ثُمَّ الَّذين كَفَروا بِرَبِّهِم يَعدِلونَ، لا نُشرِكُ بِاللّه ِ شَيئاً، ولا نَتَّخِذُ مِن دونِهِ وَلِيّاً، وَالحَمدُ للّه ِِ الَّذي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرضِ، ولَهُ الحَمدُ فِي الآخِرَةِ وهُوَ الحَكيمُ الخَبيرُ، يَعلَمُ ما يَلِجُ فِي الأَرضِ وما يَخرُجُ مِنها، وما يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعرُجُ فيها وهُوَ الرَّحيمُ الغَفورُ، كَذلِكَ رَبُّنا جَلَّ ثَناؤُهُ لا أمَدَ ولا غايَةَ ولا نِهايَةَ ولا إلهَ إلاّ هُوَ وإلَيهِ المَصيرُ، ....


متن الخطبة

[تعديل]

إنَّ عَلِيّاً (علیه‌السّلام) كانَ يَخطُبُ يَومَ الفِطرِ، فَيَقولُ: «الحَمدُ للّه ِِ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ، وجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنّورَ، ثُمَّ الَّذين كَفَروا بِرَبِّهِم يَعدِلونَ، لا نُشرِكُ بِاللّه ِ شَيئاً، ولا نَتَّخِذُ مِن دونِهِ وَلِيّاً، وَالحَمدُ للّه ِِ الَّذي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرضِ، ولَهُ الحَمدُ فِي الآخِرَةِ وهُوَ الحَكيمُ الخَبيرُ، يَعلَمُ ما يَلِجُ فِي الأَرضِ وما يَخرُجُ مِنها، وما يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعرُجُ فيها وهُوَ الرَّحيمُ الغَفورُ، كَذلِكَ رَبُّنا جَلَّ ثَناؤُهُ لا أمَدَ ولا غايَةَ ولا نِهايَةَ ولا إلهَ إلاّ هُوَ وإلَيهِ المَصيرُ، وَالحَمدُ للّه ِِ الَّذي يُمسِكُ السَّماءَ أن تَقَعَ عَلَى الأَرضِ إلاّ بِإِذنِهِ، إنَّ اللّه َ بِالنّاسِ لَرَؤوفٌ رَحيمٌ. اللّهُمَّ ارحَمنا بِرَحمَتِكَ، وَاعمُمنا بِعافِيَتِكَ، وَامدُدنا بِعِصمَتِكَ، ولا تُخلِنا مِن رَحمَتِكَ إنَّكَ أنتَ الغَفورُ الرَّحيمُ، وَالحَمدُ للّه ِِ لا مَقنوطاً من رَحمَتِهِ ولا مَخلُوّاً مِن نِعمَتِهِ، ولا مُؤيِساً مِن رَوحِهِ، ولا مُستَنكِفاً عَن عِبادَتِهِ، الَّذي بِكَلِمَتِهِ قامَتِ السَّماواتُ السَّبعُ، وقَرَّتِ الأَرَضونَ السَّبعُ، وثَبَتَتِ الجِبالُ الرَّواسي، وجَرَتِ الرِّياحُ اللَّواقِحُ، وسارَ في جَوِّ السَّماءِ السَّحابُ، وقامَت عَلى حُدودِهَا البِحارُ، فَتَبارَكَ اللّه ُ رَبُّ العالَمينَ، إلهٌ قاهِرٌ قادِرٌ ذَلَّ لَهُ المُتَعَزِّزونَ، وتَضاءَلَ لَهُ المُتَكَبِّرونَ، ودانَ طَوعاً وكَرهاً لَهُ العالَمونَ. نَحمَدُهُ بِما حَمِدَ نَفسَهُ وكَما هُوَ أهلُهُ، ونَستَعينُهُ ونَستَغفِرُهُ ونَشهَدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللّه ُ وَحدَهُ لاشَريكَ لَهُ، يَعلَمُ ما تُخفِي الصُّدورُ، وما تَجِنُّ البِحارُ، وما تُوارِي الأَسرابُ (الأسراب: جمع السَرَب؛ وهو جُحْر الوحشي، والحفير تحت الأرض)، وما تَغيضُ الأَرحامُ وما تَزدادُ، وكُلُّ شَيءٍ عِندَهُ بِمِقدارٍ، لا تَوارى مِنهُ ظُلُماتٌ ولا تَغيبُ عَنهُ غائِبَةٌ، وما تَسقُطُ مِن وَرَقَةٍ إلاّ يَعلَمُها، ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأَرضِ، ولا رَطبٍ ولا يابِسٍ إلاّ في كِتابٍ مُبينٍ، ويَعلَمُ ما يَعمَلُ العامِلونَ وإلى أيِّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبونَ، ونَستَهدِي اللّه َ بِالهُدى، ونَعوذُ بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ وَالرَّدى، ونَشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ ونَبِيُّهُ ورَسولُهُ إلَى النّاسِ كافَّةً، وأمينُهُ عَلى وَحيِهِ، وأنَّهُ بَلَّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ، وجاهَدَ فِي اللّه ِ المُدبِرينَ عَنهُ، وعَبَدَهُ حَتّى أتاهُ اليَقينُ صَلَّى اللّه ُ عَلَيهِ وآلِهِ. اُوصيكُم عِبادَ اللّه ِ بِتَقوَى اللّه ِ الَّذي لا تَبرَحُ مِنهُ نِعمَةٌ، ولا تُفقَدُ لَهُ رَحمَةٌ، ولايَستَغني عَنهُ العِبادُ ولا تَجزي أنعُمَهُ الأَعمالُ، الَّذي رَغَّبَ فِي الآخِرَةِ، وزَهَّدَ فِي الدُّنيا، وحَذَّرَ المَعاصِيَ، وتَعَزَّزَ بِالبَقاءِ، وتَفَرَّدَ بِالعِزِّ وَالبَهاءِ، وجَعَلَ المَوتَ غايَةَ المَخلوقينَ وسَبيلَ الماضينَ، فَهُوَ مَعقودٌ بِنَواصِي الخَلقِ كُلِّهِم حَتمٌ في رِقابِهِم، لا يُعجِزُهُ لُحوقُ الهارِبِ ولا يَفوتُهُ ناءٍ ولا آئِبٌ، يَهدِمُ كُلَّ لَذَّةٍ، ويُزيلُ كُلَّ بَهجَةٍ، ويَقشَعُ كُلَّ نِعمَةٍ. عِبادَ اللّه ِ، إنَّ الدُّنيا دارٌ رَضِيَ اللّه ُ لِأَهلِهَا الفَناءَ وقَدَّرَ عَلَيهِم بِهَا الجَلاءَ، فَكُلُّ ما فيها نافِدٌ وكُلُّ مَن يَسلُكُها بائِدٌ، وهِيَ مَعَ ذلِكَ حُلوَةٌ غَضِرَةٌ (غضارة الدنيا: طيبها ولذّتها. يقال: إنّهم لفي غَضَارَة من العيش: أي في خِصْب وخَير)، رائِقَةٌ نَضِرَةٌ (النَّضارة ـ في الأصل ـ: حسن الوجه والبريق)، قَد زُيِّنَت لِلطّالِبِ، ولاطَت (لاط الشيء بقلبي: حُبِّب إليه واُلصِقَ) بِقَلبِ الرّاغِبِ، يُطَيِّبُهَا الطّامِعُ، ويَجتَويهَا (اجْتَوَيْت البَلَد: إذا كرهت المقام فيه) الوَجِلُ الخائِفُ، فَارتَحِلوا رَحِمَكُمُ اللّه ُ مِنها بِأَحسَنِ ما بِحَضرَتِكُم مِنَ الزّادِ ولا تَطلُبوا مِنها سِوَى البُلغَةَ (البُلغة: الكِفاية، وهو ما يكتفى به في العيش)، وكونوا فيها كَسَفرٍ (السَّفر: المسافرون) نَزَلوا مَنزِلاً فَتَمَتَّعوا مِنهُ بِأَدنى ظِلٍّ،ثُمَّ ارتَحَلوا لِشَأنِهِم،ولا تَمُدّوا أعيُنَكُم فيها إلى ما مَتَّعَ بِهِ المُترَفونَ، وأضِرّوا فيها بِأَنفُسِكُم؛ فَإِنَّ ذلِكَ أخَفُّ لِلحِسابِ وأقرَبُ مِنَ النَّجاةِ. ألا إنَّ الدُّنيا قَد تَنَكَّرَت وأدبَرَت وآذَنَت بِوَداعٍ، ألا وإنَّ الآخِرَةَ قَد أقبَلَت وأشرَفَت ونادَت بِاطِّلاعٍ،ألا وإنَّ المِضمارَ اليَومُ وغَداً السِّباقُ (أي: اليومَ العملُ فيالدنيا للاستباق في الجنّة. والمِضمارُ: الموضع الّذي تضمّر فيه الخيل) ألا وإنَّ السُّبقَةَ الجَنَّةُ وَالغايَةَ النّارُ، أفَلا تائِبٌ مِن خَطيئَتِهِ قَبلَ هُجومِ مَنِيَّتِهِ؟ أوَلا عامِلٌ لِنَفسِهِ قَبلَ يَومِ فَقرِهِ وبُؤسِهِ؟ جَعَلَنَا اللّه ُ وإيّاكُم مِمَّن يَخافُهُ ويَرجو ثَوابَهُ. ألا وإنَّ هذَا اليَومَ يَومٌ جَعَلَهُ اللّه ُ عيداً وجَعَلَكُم لَهُ أهلاً، فَاذكُرُوا اللّه َ يَذكُركُم، وكَبِّروهُ وعَظِّموهُ وسَبِّحوهُ ومَجِّدوهُ، وادعوهُ يَستَجِب لَكُم وَاستَغفِروهُ يَغفِر لَكُم، وتَضَرَّعوا وَابتَهِلوا وتوبوا وأنيبوا، وأدّوا فِطرَتَكُم؛ فَإِنَّها سُنَّةُ نَبِيِّكُم وفَريضَةٌ واجِبَةٌ مِن رَبِّكُم، فَليُخرِجها كُلُّ امرِىًمِنكُم عَن نَفسِهِ وعَن عِيالِهِ كُلِّهِم ذَكَرِهِم واُنثاهُم، صَغيرِهِم وكبيرِهِم، حُرِّهِم ومَملوكِهِم، يُخرِجُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُم صاعاً مِن شَعيرٍ، أو صاعاً مِن تَمرٍ، أو نِصفَ صاعٍ من بُرٍّ من طيبِ كَسبِهِ، طَيِّبَةً بِذلِكَ نَفسُهُ. عِبادَ اللّه ِ، وتَعاوَنوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقوى، وتَراحَموا وتَعاطَفوا وأدّوا فَرائِضَ اللّه ِ عَلَيكُم فيما أمَرَكُم بِهِ، مِن إقامَةِ الصَّلَواتِ المَكتوباتِ، وأداءِ الزَّكَواتِ، وصِيامِ شَهرِ رَمَضانَ، وحَجِّ البَيتِ، وَالأَمرِ بِالمَعروفِ وَالتَّناهي عَنِ المُنكَرِ، وَالإِحسانِ إلى نِسائِكُم وما مَلَكَت أيمانُكُم، وَاتَّقُوا اللّه َ فيما نَهاكُم عَنهُ، وأطيعوهُ فِي اجتِنابِ قَذفِ المُحصَناتِ وإتيانِ الفَواحِشِ، وشُربِ الخَمرِ، وبَخسِ المِكيالِ ونَقصِ الميزانِ، وشَهادَةِ الزّورِ، وَالفِرارِ مِنَ الزَّحفِ، عَصَمَنَا اللّه ُ وإيّاكُم بِالتَّقوى وجَعَلَ الآخِرَةَ خَيراً لَنا ولَكُم مِن هذِهِ الدُّنيا، إنَّ أحسَنَ الحَديثِ وأبلَغَ المَوعِظَةِ كَلامُ اللّه ِ تعالى، أعوذُ بِاللّه ِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ، «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» ـ إلى آخِرِها ـ». ثُمَّ جَلَسَ وقامَ، فقالَ: «الحَمدُ للّه ِِ نَحمَدُهُ ونَستَعينُهُ ونَستَغفِرُهُ ونَستَهديهِ ونُؤمِنُ بِهِ ونَتَوَكَّلُ عَلَيهِ، ونَعوذُ بِاللّه ِ مِن شُرورِ أنفُسِنا ومِن سَيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يَهدِ اللّه ُ فَهُوَ المُهتَدي ومَن يُضلِل فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرشِداً، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللّه ُ وَحدَهُ لاشَريكَ لَهُ، وأشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ ورَسولُهُ». وذَكَرَ باقِيَ الخُطبَةِ الصَّغيرَةِ في يَومِ الجُمُعَةِ .

المراجع

[تعديل]
 
۱. الفيروز آبادي، مجد الدين، القاموس المحيط، ج۱، ص۸۱.    
۲. ابن الأثير، مجدالدين، النهاية في غريب الحديث والاثر، ج۳، ص۳۷۰.    
۳. ابن الأثير، مجدالدين، النهاية في غريب الحديث والاثر، ج۵، ص۷۱.    
۴. الفيروز آبادي، مجد الدين، القاموس المحيط، ج۲، ص۳۸۴.    
۵. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، ج۱۴، ص۱۵۸.    
۶. الطريحي، فخر الدين ، مجمع البحرين، ج۱، ص۲۴۴.    
۷. الطريحي، فخر الدين ، مجمع البحرين، ج۲، ص۳۸۰.    
۸. ابن الأثير، مجدالدين، النهاية في غريب الحديث والاثر، ج۳، ص۹۹.    
۹. الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجد، ص۶۵۹، ح۷۲۸.    
۱۰. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج۹۱، ص۲۹، ح۵.    


المصدر

[تعديل]

مراقبات شهر رمضان، المحمدي الري شهري، الشيخ محمد، ص۲۸۹-۲۹۳.    






جعبه ابزار