أهل الخبرة (حجية قولهم)

احفظ هذه المقالة بتنسيق PDF



لتصفح عناوين مشابهة، انظر أهل الخبرة (توضيح).
ذكر الفقهاء و الاصوليون أنّ الرجوع إلى أهل الخبرة و حجّية قولهم أمرٌ ثابت ، فقد استقرّت طريقة العرف و العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة في كلّ فنٍ أو صنعة اختصّوا بها، وقد جرت سيرتهم على ذلك في جميع المجتمعات و الأزمنة ، دون ورود ردع من الشارع في ذلك.


قول السيد الخوئي

[تعديل]

قال: «لو أخبر الطبيب بالضرر وهو حاذق ثقة وجب اتّباعه ؛ لقيام السيرة العقلائية على الرجوع إلى أهل الخبرة من كلّ فنٍّ». إلّاأنّه يقع الكلام في أنّ حجّية قول أهل الخبرة مشروطة بحصول الوثوق بما يقولون أم شاملة لحال عدم حصول ذلك أيضاً.
ذهب بعض الفقهاء إلى اختصاص حجّية قول أهل الخبرة بحصول الوثوق من قوله، على أساس أنّ هذا المقدار يمثّل القدر المتيقّن من بناء العقلاء، وحيث إنّ البناء العقلائي دليل لبّي فيؤخذ فيه بالقدر المتيقّن حيث لا إطلاق فيه. وذهب فريق آخر إلى حجّية قول أهل الخبرة مطلقاً؛ لأنّ العقلاء يأخذون بقوله ولو لم يكن لديهم وثوق بصوابه .

النكات في حجية قول أهل الخبرة

[تعديل]

و تفصيل الكلام أنّ حجّية قول أهل الخبرة ترجع إلى إحدى ثلاث نكات، اختيار كلّ واحدة منها يحدث قولًا في المسألة ، فهنا ثلاثة أقوال:

← القول الأول


ما ذهب إليه الشيخ الطوسي في أحد قوليه ومن تبعه إلى اعتبار قول الخبرة من باب الشهادة ، فطبّقوا عليه جميع ما ينطبق على الشهادة من لزوم العدالة والتعدّد ونحوهما.

←← قول الشيخ الأنصاري


قال: «إنّ المتيقّن من هذا الاتّفاق -اتّفاق الرجوع إلى أهل الخبرة- هو الرجوع إليهم مع اجتماع شرائط الشهادة من العدد والعدالة ونحو ذلك لا مطلقاً، ألا ترى أنّ أكثر علمائنا على اعتبار العدالة فيمن يرجع إليه من أهل الرجال، بل بعضهم على التعدّد ، والظاهر اتّفاقهم على اشتراط التعدّد والعدالة في أهل الخبرة في مثل التقويم وغيرها».

←← رواية الإمام الصادق عليه السلام


ولعلّهم استندوا في ذلك إلى رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «... و الأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة »، حيث ظاهرها حصر طرق إثبات الأشياء- لدى الشارع - في أمرين: الاستبانة وهي العلم، والبيّنة وهي شهادة عدلين، فإذاً لا اعتبار للخبرة بما هي خبرة ما دام لا ينطبق عليها عنوان الشهادة، وعندئذٍ لو ثبت اعتبارها و العمل بها عقلائياً فتكون مردوعة بهذا النص .
ونوقش أوّلًا: بأنّ الرواية ساقطة بضعف سندها.
وثانياً: بأنّ ذلك مبني على تفسير البيّنة فيها بالشاهد- المصطلح في باب القضاء - ولكن لا قرينة على ذلك في الرواية، وإنّما هي بمعناها اللغوي بمعنى ما يتبيّن به الشي‏ء ، فلا دلالة فيها على تعيين كون البيّنة بمعنى الشاهد .

← القول الثاني


اعتبار الخبرة من باب إفادته للعلم أو الاطمئنان ، فإذا لم يحصل منه العلم أو الاطمئنان فلا عبرة به حتى مع التعدّد والعدالة إذا لم يثبت كفاية شهادة العدلين مطلقاً، وهذا ما اختاره المحقّق النراقي ونسبه إلى الشيخ الطوسي و ابن إدريس .
ويمكن الاستدلال عليه بعمومات النهي عن القول بغير العلم و اتباع الظن، كقوله سبحانه وتعالى: «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ»، وقوله تعالى: «وَمَا يَتَّبِعُ‏ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لَايُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً».
ويمكن أن يلاحظ عليه بأنّ الرجوع إلى الخبرة من المرتكزات العقلائية و الخطابات الشرعية لا تشمل موارد الارتكازات العقلائية، فلا عموم لها في حدّ نفسها؛ إذ الخطابات الشرعية ملقاة على العرف وهم يفسرونها وفق مرتكزاتهم، فإذاً لابدّ من التنبيه إذا كان غرض الشارع مخالف لمرتكزاتهم، وحيث لم ينبّه عليه يحمل الخطابات على مرتكزاتهم، ومن المعلوم أنّ الارتكاز العقلائي قائم على العمل وفق رأي أهل الخبرة.

← القول الثالث


اعتبار الخبرة من حيث خبرويته؛ إذ الارتكاز العقلائي قائم بالرجوع إلى كلّ ذي فن في فنّه و الاستخبار منه فيما يحتاج إلى خبرويته أو التعلّم لديه فيما يحتاج إلى التعلّم، وهذا السلوك العقلائي مشهود لدى كلّ الناس، وهو ليس من محدثات العصر ليقال ليس لدينا ما يطمئنّ إمضاء الشارع له ليكون سلوكاً شرعياً، بل هو سلوك عقلائي عبر العصور وفي مشهد المعصوم ولم يرد الردع عنه، فإذاً هو مقبول لديه، ولم تكن أدلّة النهي عن اتّباع غير العلم شاملًا له بعد أن كانت الخطابات ملقاة في دائرة الفهم العقلائي- كما تقدّم- بل قد يؤيّد بقوله سبحانه وتعالى: «فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُم لَا تَعْلَمُونَ»، وغيرها من النصوص الواردة في الحثّ على الرجوع إلى أهل العلم .
====!==

قول السيد الخوئي

[تعديل]
==
وهذا القول مستفاد من عدّة من أعلام العصر، منهم السيّد الخوئي حيث يظهر من عباراته في باب التقليد عند البحث عن حجّية قول المجتهد بأنّ الارتكاز الثابت ببناء العقلاء حيث جرى بناؤهم في كلّ حرفة وفنّ وصنعة بل في كلّ ما يرجع إلى المعاش و المعاد على رجوع الجاهل إلى العالم؛ لأنّه أهل الخبرة و الاطّلاع . وعبارته الاخرى في جواز التقليد من أنّ السيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع وأنّ الرجوع إلى المجتهد؛ لأجل أنّه من أهل الخبرة والاطّلاع.
وبهذا البيان ظهر أنّ اعتبار الخبرة أمر مستقلّ له مبادؤه الخاصة لدى العقلاء، ولا يدخل في إطار الشهادة ولا حجّية خبر الثقة ؛ إذ أدلّة حجّية خبر الثقة قاصرة الشمول عمّا إذا كان الإخبار عن حدس وفي الامور العلمية والفنّية الذي هو موضوع الاعتبار والحجّية في باب أهل الخبرة.نعم، اختلفت كلمات الفقهاء في الامور والشروط المعتبرة عند الرجوع إليهم، كالعدالة و الوثاقة والعدد ونحو ذلك ممّا سيأتي.

المراجع

[تعديل]
 
۱. مستند العروة (الصوم)، ج۱۱، ص۴۹۹.    
۲. المبسوط، ج۲، ص۱۰۴.    
۳. المبسوط، ج۳، ص۴۷.    
۴. فرائد الاصول (تراث الشيخ الأعظم)، ج۱، ص۱۷۴.    
۵. الوسائل، ج۱۷، ص۸۹، ب ۴ ممّا يكتسب به، ح ۴.    
۶. مستند الشيعة، ج۱۶، ص۲۴۰.    
۷. الإسراء/سورة ۱۷، الآية ۳۶.    
۸. يونس/سورة ۱۰، الآية ۳۶.    
۹. النحل/سورة ۱۶، الآية ۴۳.    
۱۰. التنقيح في شرح العروة (الاجتهاد والتقليد)، ج۱، ص۸۳.    
۱۱. التنقيح في شرح العروة (الاجتهاد والتقليد)، ج۱، ص۸۵.    
۱۲. التنقيح في شرح العروة (الاجتهاد والتقليد)، ج۱، ص۹۸.    
۱۳. التنقيح في شرح العروة (الاجتهاد والتقليد)، ج۱، ص۱۰۴.    


المصدر

[تعديل]

الموسوعة الفقهية، ج۱۹، ص۴۱-۴۶.    



جعبه ابزار