بيع السلم قبل وبعد حلوله

احفظ هذه المقالة بتنسيق PDF



هنا يأتي أحكام جواز أو عدم جواز بيع السلم قبل وبعد حلوله.


عدم جواز بيع السلم قبل حلوله

[تعديل]

( لا يجوز بيع السلم قبل حلوله) بحلول الأجل مطلقاً، على من هو عليه كان أو غيره، حالاّ أو مؤجّلاً، بلا خلاف يظهر، إلاّ من بعض من ندر ممّن تأخّر، فجوّزه مطلقاً؛ التفاتاً إلى أنّه حق مالي فيجوز بيعه. ولا ينافيه عدم استحقاق المشتري الأوّل له؛ لتعلّق عدم الاستحقاق بالمطالبة دون الملكيّة، فإنّها حاصلة وإن لم يجز له قبل الأجل المطالبة. والقدرة على التسليم المشترطة في صحة المعاملة إنّما هي في الجملة لا حين إجراء عقد المعاملة، وإلاّ لما صحّ ابتياع الأعيان الغائبة إلاّ بعد حضورها وإمكان القدرة على تسليمها حين المعاملة، وهو فاسد بالإجماع والضرورة وربما يضعّف بابتنائه على حصول الملكيّة.
والمناقشة فيه واضحة؛ إذ هي فرع الانتقال ، وهو مشروط بانقضاء المدّة، وليس، كما هو مفروض المسألة. ومنه يظهر أنّ صرف الاستحقاق المنفي إلى المطالبة خاصّة دون الملكيّة فاسد بالبديهة بعد ما ظهر من اشتراطها بانقضاء المدّة المشترطة في الانتقال حين المعاملة، فما لم يتحقّق كما هو المفروض لم تحصل الملكيّة. وفيه نظر.
إلاّ أنّ ظاهر الغنية والتنقيح والمحقق الثاني في شرح الإرشاد كالفاضل الأردبيلي في شرح الإرشاد
[۲] الغنية (الجوامع الفقهية)، ص۵۸۹.
[۳] التنقيح الرائع، ج۲، ص۱۴۵.
انعقاد الإجماع على الحكم على الإطلاق المستفاد من العبارة وغيرها من عبائر الجماعة، فلا ريب في المسألة بحمد الله سبحانه.

جواز بيع السلم بعد حلوله وقبل القبض

[تعديل]

(ويجوز) بيعه (بعده) وبعد القبض بالضرورة (و) كذا (إن لم يقبضه) مطلقاً، ولو بمجانس الثمن، ربويين كانا أو غيره، على الأظهر الأشهر بين الطائفة إذا لم يكن بين الثمنين الربويين مع التجانس تفاوت بزيادة ولا نقيصة؛ للأصل، والعمومات، والصحاح المستفيضة وغيرها من المعتبرة. ومواردها وإن اختصّت بالبيع على من هو عليه، إلاّ أنّه لا قائل بالفرق بين الطائفة.
خلافاً للتهذيب، فمنع من البيع بالدراهم إذا كان الثمن الأوّل كذلك؛ للخبر : عن الرجل له على آخر تمر أو شعير أو حنطة أيأخذ بقيمته دراهم؟ قال : «إذا قوّمه دراهم فسد، لأنّ الأصل الذي اشترى به دراهم، فلا يصلح دراهم بدراهم».
وضعف سنده يمنع من العمل به، مع احتماله ككلام التهذيب الحمل على صورة التفاوت بالزيادة والنقيصة، كما فهمه منه الجماعة، ولذا لم ينسبوا إليه القول الأوّل بالمرّة، بل نسبوه إلى هذا القول، وله فيه موافق كثير من الطائفة كالإسكافي والعماني والقاضي وابن زهرة والحلبي وابن حمزة،
[۸] المختلف، ص۳۶۵.
[۹] الغنية (الجوامع الفقهية)، ص۵۸۹.
[۱۰] الكافي، ص۳۵۸.
وادّعى في الدروس أنّه مذهب الأكثر، وعن الحلبي دعوى الإجماع عليه، وهي ظاهر الغنية، واختاره جمع ممّن تأخر؛
[۱۳] التحرير، ج۱، ص۱۹۶.
لكثير من تلك الصحاح، وهي مستفيضة، منها فيمن أعطى رجلاً ورقاً بوصيف إلى أجل مسمى، فقال له صاحبه : بعد لا أجد وصيفاً، خذ مني قيمة وصيفك اليوم ورقاً، قال : «لا يأخذ إلاّ وصيفه أو ورقه الذي أعطاه أوّل مرّة لا يزداد عليه شيئاً.
ومنها : «من اشترى طعاماً أو علفاً.. فإن لم يجد شرطه وأخذ ورقاً لا محالة قبل أن يأخذ شرطه فلا يأخذ إلاّ رأس ماله (لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)». ومنها : عن الرجل يسلف في الحنطة والتمر بمائة درهم، فيأتي‌ صاحبه حين يحلّ الذي له، فيقول : والله ما عندي إلاّ نصف الذي لك، فخذ منّي إن شئت بنصف الذي لك حنطة وبنصفه ورقاً، فقال : «لا بأس إذا أخذ منه الورق كما أعطاه». ومنها : عن الرجل يسلف في الغنم ثنيان وجذعان وغير ذلك إلى أجل مسمّى، قال : «لا بأس إن لم يقدر الذي عليه الغنم على جميع ما عليه يأخذ صاحب الغنم نصفها أو ثلثها ويأخذ رأس مال ما بقي من الغنم دراهم، ويأخذون دون شروطهم، ولا يأخذون فوق شروطهم» قال : «والأكسية أيضاً مثل الحنطة والشعير والزعفران والغنم».
خلافاً للمفيد والحلّيين وكثير من المتأخّرين،
[۳۰] المختلف، ص۳۶۴.
[۳۱] الشرائع، ج۲، ص۶۵.
حتى ادّعى جماعة
[۳۴] الكفاية، ص۱۰۲.
منهم عليه الشهرة؛ للأصل، والعمومات السليمة عمّا يصلح للمعارضة سوى الصحاح المتقدّمة، وهي غير صريحة الدلالة على وقوع المعاملة الثانية، فيحتمل ورودها في الفسخ خاصّة. ولا ريب في المنع عن الزيادة حينئذٍ مع التجانس والكيل والوزن كما هو مفروض المسألة؛ لأنّها ربا محض، منعت عنه الشريعة، وذلك فإن بالفسخ يستحق المسلم ثمنه خاصّة فلا يجوز له حينئذٍ أخذ الزيادة، ولا كذلك مع عدم الفسخ وإبقاء المعاملة، فإنّ ما يستحقه في هذه الصورة هو المسلم فيه دون الثمن الأوّل، فله أن يبيعه بأضعاف الثمن الذي دفعه، ولا موجب للربا فيها بالمرّة. هذا.
مضافاً إلى إطلاق كثير من المعتبرة، منها المرسل كالموثق : في الرجل يسلف الدراهم في الطعام إلى أجل فيحلّ الطعام فيقول : ليس عندي طعام ولكن انظر ما قيمته فخذ مني ثمنه، قال : «لا بأس بذلك». والخبر : الرجل يسلفني في الطعام فيجي‌ء الوقت وليس عندي طعام، أُعطيه بقيمته دراهم؟ قال : «نعم».
والمسألة محلّ تردّد، وإن كان الأوّل لا يخلو عن قوّة؛ للإجماعات المحكية وظهور الصحاح سيّما الأوّل منها في المعاملة الثانية، ولو سلّم عدمه فإطلاقها بل عمومها يشملها أيضاً بالضرورة، سيّما مع التعليل في بعضها بقوله (لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) الذي هو كالنص في العموم، وهي بالنظر إلى الأصل والعمومات خاصّة، فلتقدّم.
والنصوص المعارضة قاصرة السند، ضعيفة الدلالة؛ لاحتمالها الحمل على صورة عدم الزيادة أو عدم المجانسة، ولا ريب في الجواز فيهما فتوًى وروايةً، ففي الصحيح عن رجل أسلف رجلاً دراهم بحنطة حتى إذا حضر الأجل لم يكن عنده طعام ووجد عنده دوابّ ورقيقاً ومتاعاً، يحل له أن يأخذ من عروضه ذلك بطعامه؟ قال : «نعم، يسمّي كذا وكذا بكذا وكذا صاعاً». وصريحة كالصحاح المتقدّمة وغيرها جواز بيع الطعام على من هو عليه قبل القبض من دون كراهة.
خلافاً لظاهر الماتن، فخصّ الحكم بالجواز من دونها بما عداه لقوله : (على كراهية في الطعام على من هو عليه) وهو المسلم إليه (وعلى غيره) وهو ظاهر الغنية مدّعياً عليه إجماع الطائفة، إلاّ أنّه أبدل الكراهة بالحرمة،
[۴۸] الغنية (الجوامع الفقهية)، ص۵۸۹.
ولعلّهما نظرا إلى ما تقدّم في بيعه قبل قبضه من إطلاق النصوص المانعة.ويدفعه أنّ هذه النصوص خاصّة مقدّمة على تلك، لكن في مواردها وهو البيع ممّن هو عليه خاصّة.ولكن الكراهة على الإطلاق غير بعيدة بناءً على المسامحة في أدلّتها فتكفي فيها بشبهة الخلاف، والإجماع المدّعى، والإطلاق الذي مضى.
(و) كما يجوز بيعه مطلقاً ولو مرابحة وكان كلّ من الثمنين ربويا (كذا يجوز بيع بعضه) كذلك، وصرّح بجوازه في الجملة بعض الصحاح المتقدّمة، وهي متّفقة الدلالة على جواز توليته (وتولية بعضه) بمعنى بيعهما برأس المال، ولا فائدة لذكرهما إلاّ التنبيه على عموم الجواز في بيع الجميع والبعض المذكور سابقاً لصورتي المرابحة والمواضعة مطلقاً؛ دفعاً للقولين المتقدّمين من المنع عن البيع بمجانس الثمن الأوّل مع ربويّتهما إمّا مطلقاً، كما في أحدهما، أو في صورة تفاوتهما بالزيادة والنقيصة كما في الثاني.

المراجع

[تعديل]
 
۱. الحدائق، ج۲۰، ص۴۵.    
۲. الغنية (الجوامع الفقهية)، ص۵۸۹.
۳. التنقيح الرائع، ج۲، ص۱۴۵.
۴. مجمع الفائدة، ج۸، ص۳۶۰.    
۵. التهذيب، ج۷، ص۳۰، ح۱۲۹.    
۶. الاستبصار، ج۳، ص۷۴، ح۲۴۶.    
۷. الوسائل، ج۱۸، ص۳۰۸، أبواب السلف، ب۱۱، ح۱۲.    
۸. المختلف، ص۳۶۵.
۹. الغنية (الجوامع الفقهية)، ص۵۸۹.
۱۰. الكافي، ص۳۵۸.
۱۱. الوسيلة، ص۲۵۱.    
۱۲. الدروس، ج۳، ص۲۵۸.    
۱۳. التحرير، ج۱، ص۱۹۶.
۱۴. الروضة، ج۳، ص۴۲۱.    
۱۵. الحدائق، ج۲۰، ص۳۶.    
۱۶. الكافي، ج۵، ص۲۲۰، ح۲.    
۱۷. التهذيب، ج۷، ص۳۲، ح۱۳۳.    
۱۸. الاستبصار، ج۳، ص۷۵، ح۲۴۹.    
۱۹. الوسائل، ج۱۸، ص۳۰۷، أبواب السلف، ب ۱۱، ح ۹.    
۲۰. التهذيب، ج۷، ص۳۲، ح۱۳۴.    
۲۱. الاستبصار، ج۳، ص۷۵، ح۲۵۰.    
۲۲. الوسائل، ج۱۸، ص۳۰۹، أبواب السلف، ب۱۱، ح۱۵.    
۲۳. التهذيب، ج۷، ص۳۲، ح۱۳۵.    
۲۴. الاستبصار، ج۳، ص۷۵، ح۲۵۱.    
۲۵. الوسائل، ج۱۸، ص۳۰۹، أبواب السلف، ب۱۱، ح۱۶.    
۲۶. الكافي، ج۵، ص۲۲۱، ح۸.    
۲۷. الوسائل، ج۱۸، ص۳۰۳، أبواب السلف، ب۱۱، ح۱.    
۲۸. المقنعة، ص۵۹۶.    
۲۹. السرائر، ج۲، ص۳۱۱.    
۳۰. المختلف، ص۳۶۴.
۳۱. الشرائع، ج۲، ص۶۵.
۳۲. مجمع الفائدة، ج۸، ص۳۶۱.    
۳۳. الحدائق، ج۲۰، ص۴۳.    
۳۴. الكفاية، ص۱۰۲.
۳۵. الحدائق، ج۲۰، ص۴۰.    
۳۶. الكافي، ج۵، ص۱۸۵، ح۶.    
۳۷. التهذيب، ج۷، ص۳۰، ح۱۲۷.    
۳۸. الاستبصار، ج۳، ص۷۵، ح۲۵۲.    
۳۹. الوسائل، ج۱۸، ص۳۰۵، أبواب السلف، ب۱۱، ح۵.    
۴۰. الكافي، ج۵، ص۱۸۷، ح۱۲.    
۴۱. التهذيب، ج۷، ص۳۰، ح۱۲۸.    
۴۲. الاستبصار، ج۳، ص۷۵، ح۲۵۳.    
۴۳. الوسائل، ج۱۸، ص۳۰۶، أبواب السلف، ب۱۱، ح۸.    
۴۴. الكافي، ج۵، ص۱۸۶، ح۷.    
۴۵. التهذيب، ج۷، ص۳۱، ح۱۳۰.    
۴۶. الاستبصار، ج۳، ص۷۶، ح۲۵۴.    
۴۷. الوسائل، ج۱۸، ص۳۰۵، أبواب السلف، ب۱۱، ح۶.    
۴۸. الغنية (الجوامع الفقهية)، ص۵۸۹.


المصدر

[تعديل]

رياض المسائل، ج۹، ص۱۲۸-۱۳۳.    



جعبه ابزار