تعين الأرش من النقدين

احفظ هذه المقالة بتنسيق PDF



بعد البناء على أنّ الأرش لا يجب دفعه من عين الثمن وقع الكلام لدى الفقهاء في أنّه هل يتعيّن دفعه من النقدين أم لا؟صرّح من تعرّض للمسألة منهم بلزوم كونه من النقدين؛ لكبرى أنّ الأصل في ضمان المضمونات أن يكون بالنقدين، والمسألة من صغرياتها. نعم، استظهر من عبارة العلّامة في القواعد والتحرير وكذا الشهيد في الدروس في باب الصرف عدم تعيّنه منهما كما سيأتي.قال الشيخ الأنصاري : «ثمّ على المختار من عدم تعيّنه من عين الثمن، فالظاهر تعيّنه من النقدين؛ لأنّهما الأصل في ضمان المضمونات، إلّا أن يتراضى‌ على غيرهما». وفي حاشية المحقّق الخراساني قدس سره:«ذلك حيث كان النقدان ممّا يقدّر ويعيّن به ماليّة الأموال، وكان غيرهما يحدّد مقدار ماليّته بالمقايسة معهما، كانا في نفسهما قيمة المضمونات القيميّة، فلا بدّ أن يكون الضمان بهما عند إطلاق الضمان بالقيمة في القيميّات، وهكذا الغرامة عند إطلاق دليلها بتفاوت القيمة، كما في هذا الباب وباب ديات الجنايات...». وفي حاشية الاصفهاني: «الغرامات كلّية مضمونة بالنقدين؛ لأنّ المضمون ليس إلّا الماليّة المحضة بلا تعيّن لخصوصيّة أصلًا، وليس في الأعيان الخارجيّة التي لها ماليّة ما ليس فيه خصوصيّة تتفاوت بها الرغبات إلّا النقد، فإنّه متمحّض في الماليّة، فالوفاء للمال المحض بالمال المحض قهري ليس للضامن والمضمون الامتناع من أدائه وأخذه».
هذا، وقد استدلّ له بعض المحقّقين- مضافاً إلى الأصل- بكونه مقتضى الروايات الدالّة على ثبوت الأرش؛ إذ المستفاد منها ردّ التفاوت، ومن الواضح أنّ التفاوت إنّما يعلم بالماليّة المحضة، وما هو متمحّض بالماليّة هو النقود خاصّة، فيكون الثابت بالأخبار اعتبار النقدين حيث قال الأوّل: «لا إشكال في تعيّنه من النقدين، وذلك مضافاً إلى أنّه كسائر الغرامات المضمونة بهما؛ لأنّ مقتضى الروايات ذلك، كقوله عليه السلام في صحيحة منصور: «يردّ عليه بقيمة ما نقصها العيب». وفي رواية أخرى: «يرجع بقيمة العيب» وفي رواية طلحة: «تقوّم وهي صحيحة وتقوّم وبها الداء، ثمّ يردّ البائع على المبتاع فضل ما بين الصحّة والداء» بل هذا هو المتفاهم من سائر الروايات أيضاً...».وقال الثاني: «الظاهر من الأخبار الدالّة على ثبوت الأرش هو أن يكون ذلك من النقود، فإنّ المستفاد من مجموعها هو أنّ البائع يردّ التفاوت... ومن الواضح أنّ التفاوت إنّما يعلم بالماليّة المحضة... وما هو متمحّض بالماليّة فقط إنّما هو النقود...».
هذا فيما إذا كانت المعاوضة بين‌ الأجناس والنقود، أمّا إذا كانت بين الأجناس فظاهر من أطلق، بل لعلّه صريح المحقّق النجفي والسيد الخوئي حيث قال: «لو كان الثمن عروضاً استحقّ المشتري قيمة نسبة التفاوت منه». عدم الفرق في ذلك حتى لو كان الثمن من الأعيان؛ لأنّ مقتضى الدليل هو النقود، فالاكتفاء بغيرها يحتاج إلى دليل ولم يثبت ذلك. نعم، مع التراضي لا بأس، سواء كان الثمن عيناً أو نقداً.إلّا أنّ السيد الخميني لم يستبعد في المثليّات القول بتعيّن مقدار من جنس العوض أعمّ من أن يكون من عينه أو مثله كما هو الحال في المثليّات في الأبواب الاخر، مستظهراً أنّ ذلك موافق لحكم العرف والعقلاء، ومقتضى لزوم سدّ الخلّة والضرر في المقام، ولا يخالف ذلك الروايات؛ لاختصاصها بغير المورد حيث قال: «... أمّا إذا كانت (المبادلة) بين الأجناس مع مثلها، ففي المثليّات لا يبعد القول بتعيّن مقدار من جنس العوض أعمّ من أن يكون من عينه أو مثله، كما أنّ الأمر كذلك في الأبواب الأخر في باب المثليّات، بل الظاهر أنّه موافق لحكم العرف والعقلاء، ومقتضى لزوم سدّ الخلّة والضرر في المقام، ولا يخالف ذلك ما ذكر من الروايات؛ لاختصاصها بغير المورد».. بل قال بعض المتأخّرين: إنّ كون الأصل في ضمان المضمونات النقد صحيح في الجملة في هذه الأعصار وفي غالب الأمكنة، وأمّا ما قلّت النقود فيها وكانت المعاوضات فيها على تبادل الأجناس فأيّ دليل على تعيين النقدين فيها؟ وطريق الاحتياط التراضي عند دفع غير النقدين خصوصاً مع جريان العادة على النقد.
[۱۳] مهذّب الأحكام، ج۱۷، ص۲۰۳.
ثمّ إنّ تعيّن النقدين بمعنى أنّه الحكم الثابت في حالة الخصومة والنزاع، وعدم جواز إلزام أحدهما الآخر بغيرهما، أمّا مع التراضي على غيرهما فلا إشكال في جوازه كما صرّحوا بذلك.
نعم، وقع البحث لدى الفقهاء في أنّ المدفوع حينئذٍ هل يكون هو عين الأرش أو بدله؟ ظاهر بعض الفقهاء أنّه نفس الأرش وليس بدلًا عنه أو معاملة عليه.قال الشيخ الأنصاري: «أنّ المضمون بالنقدين هي الأموال المتعيّنة المستقرّة،والثابت هنا ليس مالًا في الذمّة... وإنّما هو حقّ لو أعمله جاز له مطالبة المال، فإذا اختار الأرش من غير النقدين ابتداءً ورضي به الآخر فالمختار نفس الأرش لا عوض عنه. نعم، للآخر الامتناع منه؛ لعدم تعيّنه عليه، كما أنّ لذي الخيار مطالبة النقدين... وبالجملة: فليس هنا شي‌ء معيّن ثابت في الذمّة إلّا أنّ دفع غير النقدين يتوقّف على رضا ذي الخيار ويكون نفس الأرش، بخلاف دفع النقدين...» ووافقه عليه المحقّق الاصفهاني بتفصيل محصّله: أنّ الفرق بين سائر الغرامات وبين الغرامة الأرشيّة من وجهين: أحدهما: أنّ سائر الغرامات الماليّة تشتغل بها الذمّة، فلا بدّ أن يكون لما اشتغلت به الذمة تعيّن، فإمّا هو المال بشرط عدم الخصوصيّة أو المال بشرط الخصوصيّة أو المال لا بشرط وجود الخصوصيّة ولا بشرط عدمها، والمعروف فيها هو التعيّن الأوّل وهو منحصر بالنقد؛ لتمحّضه في الماليّة، وهذا بخلاف الغرامة الأرشيّة فإنّها لا تشتغل بها الذمّة ليجب أن يكون لها تعيّن مخصوص، فإنّ حقيقتها حقّ التغريم لا استحقاق المال، فلا معنى لتعيّنه الذمّي، وحينئذٍ فلا بأس بجعل حقّ التغريم بما هو بشرط لا وهو النقد عند المخاصمة، وبما هو بشرط شي‌ء عند التراضي على خصوص شي‌ء.الثاني: أنّه لا ريب في صحّة التراضي على غير النقدين في باب الغرامات جميعاً، لكنّ في غير الغرامة الأرشيّة حيث إنّ الذمّة مشغولة بخصوص مال لا يطابقه إلّا النقد، فلا محالة يكون ما تراضيا عليه بدلًا عنه، وأمّا الأرشيّة فحيث إنّه لا مال في الذمّة ولا في الخارج فلا معنى للبدليّة ولا المعاوضة ، بل هو أداء عين ما يستحقّه
لكن أورد على ذلك من قبل السيدين الخميني والخوئي بأنّ مقتضى الأدلّة إن كان هو التغريم بنحو الإطلاق- أي أعمّ من النقدين- فلا إشكال في كون ما ادّي من غيرهما هو عين الأرش، لكن لا وجه إذاً للحاجة إلى الرضا، وإن كان مقتضاها التغريم من النقدين كما هو كذلك‌ فلا إشكال في أنّ الأداء من غيرهما يحتاج إلى الرضا، كما لا إشكال في أنّ المؤدّى حينئذٍ ليس نفس الأرش بل بدله بل في الأوّل: أنّ ما ذكره الاصفهاني خارج عن المقصود وعن مسار الفقه ، ولم يأت بشي‌ء يدفع الإشكال.ثمّ إنّ السيد الخوئي اعتبر ذلك معاملة جديدة وتجارة أخرى عن تراض، بينما ذهب السيد الخميني إلى أنّه لا يلزم من كون الشي‌ء بدلًا عن شي‌ء بالتراضي أن يقع المعاوضة بينهما، فلمن له حقّ التغريم الرضا بغيرهما بدلًا منهما من دون أن يرجع ذلك إلى المبادلة بينهما.


المراجع

[تعديل]
 
۱. المكاسب (تراث الشيخ الأعظم)، ج۵، ص۳۹۷.    
۲. حاشية المكاسب، ج۱، ص۲۳۲.    
۳. حاشية المكاسب، ج۵، ص۷۹- ۸۰.    
۴. البيع (الخميني)، ج۵، ص۱۳۲.    
۵. مصباح الفقاهة، ج۷، ص۲۷۶.    
۶. الوسائل، ج۱۸، ص۱۰۲- ۱۰۳، ب ۴ من أحكام العيوب، ح ۳.    
۷. الوسائل، ج۱۸، ص۱۰۴، ب ۴ من أحكام العيوب، ح ۸.    
۸. الوسائل، ج۱۸، ص۱۰۲، ب ۴ من أحكام العيوب، ح ۲.    
۹. المكاسب (تراث الشيخ الأعظم)، ج۵، ص۳۹۷.    
۱۰. جواهر الكلام، ج۲۳، ص۲۹۴.    
۱۱. مصباح الفقاهة، ج۷، ص۲۷۷.    
۱۲. البيع، ج۵، ص۱۳۲.    
۱۳. مهذّب الأحكام، ج۱۷، ص۲۰۳.
۱۴. المكاسب (تراث الشيخ الأعظم)، ج۵، ص۳۹۷- ۳۹۸.    
۱۵. حاشية المكاسب، ج۵، ص۸۱- ۸۲.    
۱۶. البيع، ج۵، ص۱۳۳.    
۱۷. مصباح الفقاهة، ج۷، ص۲۷۷.    
۱۸. مصباح الفقاهة، ج۷، ص۲۷۷.    
۱۹. البيع، ج۵، ص۱۳۳- ۱۳۴.    


المصدر

[تعديل]

الموسوعة الفقهية، ج۱۰، ص۷۰-۷۴.    



جعبه ابزار