اختلاف الآفاق في ليلة القدر

احفظ هذه المقالة بتنسيق PDF



تبرز واحدة من المسائل المهمّة على صعيد البحث في ليلة القدر، بطبيعة هذه اللّيلة، وفيما إذا كانت واحدة في المناطق المختلفة أم متفاوتة ؟ لقد قاد البحث في هذه المسألة إلى تبلور عدد من النظريات، نشير لها كما يلي:


النظرية الأولى

[تعديل]

النظرية المنسوبة إلى مشهور فقهاء الإمامية، فيما يذهب إليه هؤلاء من عدم تساوي بداية الشهور القمرية في جميع البلدان، بل يعدّ اتحاد الاُفق (إلاّ في الحالات الّتي يثبت فيها الهلال بالرؤية القطعية.) بينها شرطا في ثبوت الهلال. والنتيجة الّتي تترتّب على هذه النظرية، أنَّ ليلة القدر لن تكون واحدة في جميع المناطق والبلدان.

النظرية الثانية

[تعديل]

ما ذهب إليه عدد من المحققين (لو اختلف الاُفق وشوهد الهلال في البلاد الغربيّة فهل يكفي ذلك للشرقيّة كبلاد الشام بالإضافة إلى العراق أو لا ؟ المعروف والمشهور هو الثاني، حيث ذهبوا إلى القول باعتبار اتّحاد الاُفق. وذهب جمع من المحقَّقين إلى الأوَّل وأنَّ الثبوت في قطر كافٍ لجميع الأقطار، منهم العلاّمة في المنتهى، وصاحب الوافي والحدائق والمستند، والسيّد الخونساري وغيرهم، ومال إليه في الجواهر، واحتمله الشهيد في الدروس)، من أنَّ بداية الشهور القمرية هي واحدة في جميع المناطق،وعندئذٍ إذا ثبت شهر رمضان في منطقة فسيثبت في بقية المناطق أيضا (علاوة على تمسّكه بإطلاق الروايات، استدلّ آية اللّه الخوئي (رضوان‌اللّه‌عليه) لإثبات هذه النظرية بمسألة نجومية، حيث ذهب إلى القول في هذا السياق: «إنَّ القمر في نفسه جرم مظلم وإنما يكتسب النور من الشمس نتيجة المواجهة معها، فالنصف منه مستنير دائما، والنصف الآخر مظلم كذلك، غير أنَّ النصف المستنير لا يستبين لدينا على الدوام، بل يختلف زيادةً ونقصا حسب اختلاف سير القمر. فإنَّه لدى طلوعه عن الاُفق من نقطة المشرق مقارنا لغروب الشمس بفاصل يسير في اللّيلة الرابعة عشرة من كلِّ شهر، بل الخامسة عشرة فيما لو كان الشهر تامّا يكون تمام النصف منه المتّجه نحو الغرب مستنيرا حينئذٍ لمواجهته الكاملة مع النير الأعظم، كما أنّ النصف الآخر المتّجه نحو الشرق مظلم. ثُمّ إنَّ هذا النور يأخذ في قوس النزول في اللّيالي المقبلة، وتقلُّ سعته شيئا فشيئا ـ حسب اختلاف سير القمر ـ إلى أن ينتهي في أواخر الشهر إلى نقطة المغرب بحيث يكون نصفه المنير مواجها للشمس، ويكون المواجه لنا هو تمام النصف الآخر المظلم. وهذا هو الّذي يُعبَّر عنه بتحت الشعاع والمحاق، فلا يرى منه أيّ جزء؛ لأنَّ الطرف المستنير غير مواجه لنا لا كلاًّ كما في اللّيلة الرابعة عشرة، ولا بعضا كما في اللّيالي السابقة عليها أو اللاحقة. ثُمَّ بعدئذٍ يخرج شيئا فشيئا عن تحت الشعاع، ويظهر مقدار منه من ناحية الشرق ويُرى بصورة هلال ضعيف، وهذا هو معنى تكوُّن الهلال وتولُّده. فمتى كان جزء منه قابلاً للرؤية ولو بنحو الموجبة الجزئيَّة فقد انتهى به الشهر القديم، وكان مبدأً لشهر قمري جديد. إذا فتكوُّن الهلال عبارة عن خروجه عن تحت الشعاع بمقدار يكون قابلاً للرؤية ولو في الجملة، وهذا كما ترى أمر واقعي وحداني لا يختلف فيه بلد عن بلد، ولا صقع عن صقع؛ لأنَّه كما عرفت نسبة بين القمر والشمس لا بينه وبين الأرض، فلا تأثير لاختلاف بقاعها في حدوث هذه الظاهرة الكونيَّة في جوِّ الفضاء. وعلى هذا فيكون حدوثها بدايةً لشهر قمري لجميع بقاع الأرض على اختلف مشارقها ومغاربها وإن لم يرَ الهلال في بعض مناطقها لمانع خارجي من شعاع الشمس، أو حيلولة الجبال وما أشبه ذلك. أجل، إنَّ هذا إنّما يتَّجه بالإضافة إلى الأقطار المشاركة لمحلِّ الرؤية في اللّيل ولو في جزء يسير منه بأن تكون ليلة واحدة ليلةً لهما وإن كانت أوَّل ليلة لأحدهما، وآخر ليلة للآخر المنطبق طبعا على النصف من الكرة الأرضيَّة دون النصف الآخر الّذي تشرق عليه الشمس عندما تغرب عندنا، بداهة أنَّ الآن نهار عندهم فلا معنى للحكم بأنَّه أوَّل ليلة من الشهر بالنسبة إليهم. ولعلَّه إلى ذلك يشير سبحانه وتعالى في قوله: «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ» باعتبار انقسام الأرض بلحاظ المواجهة مع الشمس وعدمها إلى نصفين، لكلٍّ منهما مشرق ومغرب، فحينما تشرق على أحد النصفين تغرب عن النصف الآخر وبالعكس، فمن ثمَّ كان لها مشرقان ومغربان. والشاهد على ذلك قوله سبحانه: «يَــلَيْتَ بَيْنِى وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ» الظاهر في أنَّ هذا أكثر بعدا وأطول مسافةً بين نقطتي الأرض، إحداهما مشرق لهذا النصف، والاُخرى مشرق للنصف الآخر. وعليه فإذا كان الهلال قابلاً للرؤية في أحد النصفين حُكم بأنَّ هذه اللّية أوَّل الشهر بالإضافة إلى سَكنة هذا النصف المشتركين في أنَّ هذه اللّيلة ليلة لهم، وإن اختلفوا من حيث مبدأ اللّيلة ومنتهاها... ـ إلى أن قال: ـ فمقتضى هذه الروايات الموافقة للاعتبار عدم كون المدار على اتّحاد الاُفق، ولا نرى أيَّ مقتضٍ لحملها على ذلك، إذ لم يذكر أيّ وجه لهذا التقييد عدا قياس أمر الهلال بأوقات الصلوات الّذي عرفت ضعفه، وأنَّه مع الفارق الواضح بما لا مزيد عليه. ويؤكده ما ورد في دعاء صلاة يوم العيد من قوله (علیه‌السّلام): «أسألك بحقّ هذا اليوم الّذي جعلته للمسلمين عيدا» فإنَّه يعلم منه بوضوح أنَّ يوما واحدا شخصيّا يشار إليه بكلمة (هذا) هو عيد لجميع المسلمين المتشتِّتين في أرجاء المعمورة على اختلاف آفاقها، لا لخصوص بلدٍ دون آخر. وهكذا الآية الشريفة الواردة في ليلة القدر وأنَّها خير من ألف شهر، وفيها يفرق كلُّ أمرٍ حكيم، فإنَّها ظاهرة في أنَّها ليلة واحدة معيَّنة ذات أحكام خاصَّة لكافَّة الناس وجميع أهل العالم، لا أنَّ لكلِّ صقع وبقعة ليلة خاصّة مغايرة لبقعة اُخرى من بقاع الأرض). وَفقا للمبنى الّذي تستند إليه هذه النظرية، فإنّ ليلة القدر واحدة في جميع المناطق والأقاليم والبلدان.

النظرية الثالثة

[تعديل]

تفيد النظرية الثالثة إلى أنَّ ليلة القدر عبارة عن دورة كاملة للَّيل في كلّ الكرة الأرضية، وحينئذٍ ليس هناك فرق بين تساوي بداية الشهور القمرية في جميع الأقاليم والمناطق وبين اختلافها فيها. توضيح ذلك: «أنَّ اللَّيل عبارة عن ظلّ نصف الكرة الأرضية الساقط على النصف الآخر، ونحن نعرف أنَّ هذا الظلّ في حركة تبعا لدوران الأرض، بحيث تتمّ دورته الكاملة خلال أربع وعشرين ساعةً، على هذا الأساس يمكن لليلة القدر أن تكون عبارة عن دورة ليليّة كاملة حول الأرض، بمعنى أنَّ أربعا وعشرين ساعةً من الظلام الّذي يغطي جميع نقاط الأرض تمثّل ليلة القدر، الّتي تبتدأ من نقطة معيّنة وتنتهي في نقطة اُخرى».
على هذا الضوء، يبدو من غير الصحيح فصل حكم ليلة القدر عن حكم اليوم الأوّل من الشهر، فلو قبلنا استدلال النظرية الثالثة، واعتبرنا ليلة القدر أربعا وعشرين ساعةً فيمكن أن نتعامل بالطريقة ذاتها مع اليوم الأوّل ونعدّه واحدا في جميع المناطق وفي الأقاليم كافّة، خاصّةً وأنَّ إطلاقات الروايات ستكون مؤيّدة لذلك، وحينئذٍ ستتوحّد هذه النظرية مع النظرية الثانية. أجل، نحن نعتقد أنَّ النظرية الثانية أقرب إلى ظواهر القرآن والحديث وإلى مقتضى العقل والاعتبار، على أنَّ هاهنا نقطة تضاف إلى كلّ الاستدلالات المذكورة لتحديد ليلة القدر وبيان وحدتها، تتمثّل بموقف أهل البيت (علیهم‌السّلام)، فمقتضى الأهمية الاستثنائية الّتي تحظى بها ليلة القدر كانت تملي تنبيه أهل البيت (علیهم‌السّلام) لتعدّدها لو كانت متعدّدة، خاصّةً بعد أن اتّسعت جغرافية الإسلام إثر الفتوحات الإسلامية الضخمة الّتي امتدت إلى أقاصي بلدان العالم. ومع ذلك كلّه، فإنَّ رعاية الاحتياط بملاحظة النظرية المشهورة، يملي الاستفاضة بالمزيد من عطايا شهر رمضان وبركاته.

بصيرة القلوب

[تعديل]

لكن يالها من سعادة غامرة ينعم بها اُولئك النفر ممّن لا يحتاج إلى مثل هذا الكلام في تحديد ليلة القدر ومعرفتها، فاُولئك يشاهدون حقائق هذه اللَّيلة ونزول الملائكة والروح ببصيرة القلوب، وهم من ثَمَّ ينغمرون بجلال هذه اللَّيلة وينعمون ببركاتها وهباتها على أفضل ما يُرجى، على أنَّ هذه النعمة الّتي يحظى بها هؤلاء لا تقف عند حدود ليلة القدر، بل تتخطّى ذلك إلى تحديد أوّل الشهر أيضا من دون حاجة إلى الاستهلال وإلى شهادة الشهود وإلى استعمال الأجهزة العلمية.
إنّ الفقيه العارف الجليل السيّد ابن طاووس (قدس‌سره) يصف هذه الحالة بقوله: «اعلم أنّ تعريف اللّه ـ جلّ جلاله ـ لعباده بشيء من مراده فإنّه لا ينحصر بمجرّد العقل جميع أسبابه، ولا يدرك بعين الشرع تفصيل أبوابه؛ لأنّ اللّه ـ جلّ جلاله ـ قادر لذاته، فهو قادر على أن يعرِّف عباده مهما شاء ومتى شاء بحسب إرادته، وأعرف على اليقين من يعرف أوائل الشهور وإن لم يكن ناظرا إلى الهلال، ولا حضر عنده أحد من المشاهدين، ولا يعمل على شيء ممّا تقدَّم من الروايات، ولا بقول منجّم ولا باستخارة، ولا بقول أهل العدد، ولا في المنام، بل هو من فضل ربّ العالمين الّذي وهبه نور الألباب من غير سؤال، وألهمه العلم بالبديهيّات من غير طلب لتلك الحال، ولكن هو مكلَّف بذلك وحدَه على اليقين حيث علم به على التعيين». يبدو أنَّ الإشارة في النصّ هي إلى شخص السيّد ابن طاووس نفسه، بيد أنّه امتنع عن التصريح نأيا عن امتداح النفس والثناء عليها.

المراجع

[تعديل]
 
۱. الخوئي، السيد أبوالقاسم، المستند في شرح العروة الوثقى، ج۱۲، ص۱۱۵-۱۱۶.    
۲. الرحمن/السورة۵۵، الآية۱۷.    
۳. الزخرف/السورة۴۳، الآية۳۸.    
۴. الخوئي، السيد أبوالقاسم، المستند في شرح العروة الوثقى، ج۱۲، ص۱۱۸-۱۲۲.    
۵. المكارم الشيرازى، ناصر، تفسیر نمونه، ج۲۷، ص۱۹۲.    
۶. السيد بن طاووس، على بن موسى‌، الإقبال بالأعمال الحسنة، ج۱، ص۶۱.    


المصدر

[تعديل]

مراقبات شهر رمضان، المحمدي الري شهري، الشيخ محمد، ص۲۳۰-۲۳۴.    






جعبه ابزار