حدود قاعدة الإلزام ومساحتها

احفظ هذه المقالة بتنسيق PDF



يمكن الحديث عن حدود القاعدة ومساحتها ضمن نقاط، هي:


شمولها لأبواب الفقه المختلفة

[تعديل]

القدر المتيقّن من قاعدة الإلزام صورة الاختلاف بين المذهب الإمامي وسائر المذاهب الإسلامية، وقد تقدّم أنّ الفقهاء ذكروا أنّ مفاد النصوص جواز إلزام الإمامي المخالفين بمذهبهم في جميع التصرّفات والأحكام من غير اختصاص بباب الطلاق، وإن كانت بعض الروايات قد وردت في خصوص باب الطلاق. وتمسّك كثير منهم بالقاعدة في بعض الأبواب‌ خاصّة، إلّاأنّ ظاهر كلامهم التعميم كما صرّح به جملة منهم. والظاهر أنّ المستند في ذلك إمّا عموم بعض التعابير الواردة في النصوص بجعلها مسوقةً مساق بيان كبرى كلّية جرى تطبيقها في الطلاق ، وإمّا الرجوع إلى الارتكاز العقلائي- بناءً على صحّته- وهو غير خاص بالطلاق.

شمولها لغير المسلم

[تعديل]

يبدو من بعض النصوص اختصاص الإلزام بالمسلم من سائر الطوائف غير الإمامية، فإنّ الظاهر أنّ مرجع ضمير الجمع في قوله عليه السلام: «ما ألزموه أنفسهم»، وقوله عليه السلام: «ما يأخذون»، المسلمون من سائر الطوائف، ولا يشمل أتباع سائر الديانات.إلّاأنّه مع ذلك لا تعدم النصوص عن وجود ما يمكن استفادة العموم منه مثل:قوله عليه السلام في رواية محمّد بن مسلم :«تجوز على أهل كلّ ذوي دين ما يستحلّون»، وقوله عليه السلام في رواية ابن طاووس : «إنّه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم»، فإنّها غير خاصّة بطوائف المسلمين.
[۸] القواعد الفقهية (اللنكراني)، ج۱، ص۱۷۲- ۱۷۳.

وكذلك بعض التعليلات الدالّة أو المشعرة بالعموم مثل قوله عليه السلام في رواية جعفر بن محمّد بن عبد اللَّه العلوي:«لأنّكم لا ترون الثلاث شيئاً، وهم يوجبونها»، وكذلك قوله عليه السلام في رواية عبد الرحمن البصري : «تتزوّج هذه المرأة، لا تترك بغير زوج»، فإنّ جميع هذه التعابير دالّة على العموم.
[۱۱] القواعد الفقهية (المكارم)، ج۲، ص۱۶۵.

وقد ذهب إلى‌ التعميم جملة من الفقهاء.
[۱۴] مهذّب الأحكام، ج۲۶، ص۳۹.
[۱۵] مهذّب الأحكام، ج۳۰، ص۲۸۰.
[۱۶] اسس القضاء والشهادة، ج۱، ص۴۴۳.
ويمكن أن يستظهر من كلام الشيخ الطوسي في مسألة ميراث المجوس أنّه يرى جواز إلزام غير المسلم بمعتقده، حيث استدلّ على ما اختاره من أنّهم يورثون بما يعتقدون صحّته من نسب أو سبب بقوله عليه السلام: «إنّ كلّ قوم دانوا بدين يلزمهم حكمه»، وفيه: «بشي‌ء» بدل «بدين»، وذيله. كما فهم الفاضل المقداد
[۱۹] التنقيح الرائع، ج۴، ص۲۲۲.
والسيّد العاملي
[۲۰] مفتاح الكرامة، ج۸، ص۲۵۷.
أيضاً من كلام الشيخ ذلك. لكن ذكر السيّد الخوانساري أنّ قاعدة الإلزام غير مرتبطة بالمقام.
بل صرّح بالتعميم المحقّق النجفي، حيث قال: «إلى غير ذلك من النصوص الدالّة على التوسعة لنا في أمرهم وأمر غيرهم من أهل الأديان الباطلة». وقال في موضع آخر: «إنّ مقتضى الإلزام بما ألزموا به أنفسهم الإذن لنا في تناول ما يقتضيه دينهم فيهم؛ إلزاماً لهم بذلك...». وقال في مسألة ميراث المجوس:«يحتمل إلزامهم بأحكام الفاسد؛ معاملةً لهم بما يقتضيه دينهم وإلزامهم بما ألزموا به أنفسهم... ولعلّ هذا هو الأقوى».
واستدلّ السيّد الخوئي أيضاً بقاعدة الإلزام لنفي ولاية الأب الكافر على ولده المسلم، قال: «الثاني: قاعدة الإلزام، فإنّ الكفّار... لا يلتزمون بالولاية على بناتهم الأبكار وتوقّف نكاحهنّ على إذنهم، وحينئذٍ فمقتضى هذه القاعدة سقوط الولاية عنه». كما استدلّ بها أيضاً لنفي ولايته على ولده الكافر، وفي مسألة الربا بين المسلم والذمّي ذهب إلى جواز أخذ الربا من الذمّي بعد وقوع المعاملة؛ استناداً إلى قاعدة الإلزام. وتمسّك بها أيضاً بعضهم لعدم اعتبار إذن الولي في نكاح الكتابية. وذكر بعض المعاصرين أنّه وفقاً للتعميم فلا مانع من أخذ الثمن من الكافر ولو كان المبيع غير قابل للبيع في الإسلام ؛ لالتزامهم بالملكية وصحّة المعاملة وانتقال الثمن إلى البائع، فيتحقّق حينئذٍ طريق إلى صحّة المعاملات الواقعة بين الحكومة الإسلامية والحكومات الكافرة في الأشياء التي لا سبيل إلى مبايعتها في الشريعة وتكون باطلة فيها كما لا يخفى.
[۲۹] القواعد الفقهية (اللنكراني)، ج۱، ص۱۷۳.

ومن الموارد التي استدلّ لها بقاعدة الإلزام مسألة شهادة الذمّي، فقد استدلّ الفاضل الأصفهان ي على قبول شهادته على أهل ملّته، حيث قال: «إلزاماً لكلّ أهل ملّةٍ بما يعتقده وإن لم يثبت عندنا؛ لفسق الشاهد وظلمه عندنا». وقال السيّد الگلبايگاني: «إنّ جماعة من الأصحاب استدلّوا... بقاعدة الإلزام...والوجه... هو عدم اختصاص الأخبار الواردة في هذه القاعدة بالعامة، بل أنّها تشمل غير المسلمين- إلى أن قال-:فالحاصل عدم اختصاص المطلب بالعامة».
لكنّ السيّد البجنوردي تأمّل في صحّة التمسّك برواية ابن مسلم، وأجاب عن التعليل في رواية البصري قائلًا: «لأنّ كون ما ذكر علّة تامّة وملاكاً تامّاً للحكم غير معلوم، بل معلوم العدم؛ لأنّه من قبيل حكمة الحكم... وفي المفروض من الواضح الجليّ أنّه لا يعلم أنّ هذه المرأة...
تبقى بلا تزويج؛ لأنّه من الممكن بل الغالب هو أن يتزوّجها من يقول ويدين بصحّة هذا الطلاق من أبناء دينها ومذهبها».

إلزام المخالف للمخالف وعدمه

[تعديل]

ظاهر بعض النصوص اختصاص جواز الإلزام بالإمامي، فإنّ المخاطب في النصوص- كما في قوله عليه السلام: «ألزموهم»، وقوله عليه السلام: «خذوا...» - الطائفة المحقّة الإمامية، فالأئمّة عليهم السلام كانوا بصدد علاج المشكلة الحادثة للإمامية بسبب اختلافهم‌ مع سائر الفرق في الأحكام، فلا يستفاد من هذه النصوص حكم اختلاف سائر الفرق فيما بينها.
وربما أمكن القول بالتعميم ؛ تمسّكاً ببعض النصوص العامة المتقدّمة،
[۳۳] القواعد الفقهية (اللنكراني)، ج۱، ص۱۷۲- ۱۷۳.
كروايتي ابن مسلم وابن طاووس، كما يظهر من السيّد الحكيم حيث قال: «إنّ مفاد الرواية عموم القاعدة لإلزام المخالف المخالف الآخر، ولا تختصّ بإلزام الموافق للمخالف لا غيره، ولا مانع من الالتزام بعموم الإلزام، كما يقتضيه خبر عبد اللَّه بن طاووس المتقدّم، بل وصحيح محمّد بن مسلم المتقدّم كما يظهر بالتأمّل فيه». وقد تأمّل بعض الفقهاء في استفادة التعميم؛ لاحتمال انصراف إطلاقات النصوص عن هذه الصورة.
[۳۶] القواعد الفقهية (المكارم)، ج۲، ص۱۶۵.

بل ذكر بعضهم أنّ رواية محمّد بن مسلم لا يستفاد منها حتى إلزام المخالف للمخالف، بل ولا الموافق للمخالف؛ فإنّ دين الكلّ واحد وهو الإسلام، فالمراد من قوله عليه السلام: «أهل كلّ ذوي دين...» هي الأديان المقابلة للإسلام، وفهم التعميم من سائر الروايات موقوف على فهم المذهب من الدين الوارد في النصوص، وهو أمرٌ غير يسير.من هنا ذهب السيّد البجنوردي إلى أنّ المورد- ولو قلنا بصحّة الإلزام- خارج عن القاعدة، ويكون له مدرك آخر، وهو قوله عليه السلام: «تجوز على أهل كلّ ذوي دين ما يستحلّون».

عدم شمولها لاختلاف الإمامية فيما بينهم

[تعديل]

ظاهر النصوص أنّ الإلزام هو فيما إذا تعدّدت المذاهب، فلا تشمل اختلاف الآراء والفتاوى في مذهب واحد، كما إذا اختلف اثنان من الإمامية اجتهاداً أو تقليداً في صحّة معاملة، أحدهما يرى الصحّة والآخر البطلان ، فليس للذي يرى بطلان المعاملة إلزام الطرف الآخر الملتزم بالصحّة على الصحّة وترتيب آثار المعاملة الصحيحة.وقد تعرّض لهذا البحث بعض الفقهاء، فقد قال السيّد البجنوردي: «فلا يشمل مورد اختلاف المجتهدين في مذهب الإمامية؛ لأنّ لهما مذهب واحد، وهو مذهب أهل البيت عليهم السلام، لا أنّ فتوى هذا المجتهد دين ومذهب له، وفتوى ذلك الآخر دين ومذهب للآخر».
وصرّح بعض المعاصرين بأنّ قوله عليه السلام:«من دان بدين قوم لزمته أحكامهم» أو غير ذلك ممّا مرّ من التعبيرات غير شامل له.
[۴۲] القواعد الفقهية (المكارم)، ج۲، ص۱۶۵.
من هنا، لا يوجد في كلمات الفقهاء في موارد اختلاف الفتوى بين المجتهدين أن يحكم أحد بجواز إلزام أحدهما أو مقلّديه المجتهد الآخر أو مقلّديه بما التزم به بمقتضى قاعدة الإلزام. يشهد لذلك ما ذكروه في مسألة توارث المسلمين بالسبب الفاسد، فقد حكموا بأنّ المسلم لو تزوّج محرّمة لم يتوارثا وإن كان تحريمها مختلفاً فيه كامّ المزني بها،
[۴۳] الشرائع، ج۴، ص۵۳- ۵۴.
ولم نعهد من أحد أن يلتزم بجواز إلزام المبطل الآخر الذي التزم بالصحّة بمذهبه، استناداً إلى قاعدة الإلزام، ولم يقل أحد بأنّه يجوز للمبطل لو ترافعوا إليه إلزامهم برأيهم بصحّة النكاح والتوارث.
وقد صرّح بذلك المحقّق النجفي، حيث قال: «فلا توارث عند المبطل لو ترافعوا إليه، فإنّه ليس له الحكم بمذهب المصحّح- وإن جاز له نحو ذلك في المجوس ونحوهم- ممّا لا أمر فيه بالإلزام، فلو ترافع مقلّدة مجتهد- مثلًا- يرى الصحّة عند مجتهد يرى البطلان حكم عليهم بمقتضى مذهبه، وليس له إلزامهم بما وقع منهم من التقليد قبل المرافعة».
وهذا ما تدلّ عليه كلماتهم وفتاواهم في مسألة اختلاف شخصين في صحّة عقد أو إيقاع - اجتهاداً أو تقليداً- حيث لم يفتِ‌ أحد بجواز إلزام المبطل الطرف الآخر بما التزم به من الصحّة، وإنّما بيّن الفقهاء أنّ في المسألة أقوالًا: بطلان المعاملة- مثلًا- من كلا الجانبين، صحّتها كذلك، الصحّة من جانب والبطلان من جانب آخر، وذكروا أنّه لو ترافعوا إلى مجتهد حكم بمقتضى فتواه.
[۴۷] تحرير الوسيلة، ج۱، ص۸، م ۳۳.
[۴۸] تفصيل الشريعة (الاجتهاد والتقليد)، ج۱، ص۲۹۵- ۲۹۶.


المراجع

[تعديل]
 
۱. جواهر الكلام، ج۳۲، ص۸۸.    
۲. القواعد الفقهية (البجنوردي)، ج۳، ص۱۸۱.    
۳. الوسائل، ج۲۲، ص۷۳، ب ۳۰ من مقدمات الطلاق، ح ۵.    
۴. الوسائل، ج۲۶، ص۱۵۸، ب ۴ من ميراث الإخوة والأجداد، ح ۱.    
۵. الوسائل، ج۲۶، ص۱۵۸، ب ۴ من ميراث الإخوة والأجداد، ح۲.    
۶. الوسائل، ج۲۶، ص۱۵۸، ب ۴ من ميراث الإخوة والأجداد، ح ۴.    
۷. الوسائل، ج۲۲، ص۷۵، ب ۳۰ من مقدمات الطلاق، ح ۱۱.    
۸. القواعد الفقهية (اللنكراني)، ج۱، ص۱۷۲- ۱۷۳.
۹. الوسائل، ج۲۲، ص۷۴، ب ۳۰ من مقدمات الطلاق، ح ۹.    
۱۰. الوسائل، ج۲۲، ص۷۳، ب ۳۰ من مقدمات الطلاق، ح ۳.    
۱۱. القواعد الفقهية (المكارم)، ج۲، ص۱۶۵.
۱۲. حاشية مجمع الفائدة، ج۱، ص۲۹۶.    
۱۳. العناوين، ج۲، ص۷۲۲.    
۱۴. مهذّب الأحكام، ج۲۶، ص۳۹.
۱۵. مهذّب الأحكام، ج۳۰، ص۲۸۰.
۱۶. اسس القضاء والشهادة، ج۱، ص۴۴۳.
۱۷. التهذيب، ج۹، ص۳۶۵، ح ۱۳۰۱.    
۱۸. الاستبصار، ج۴، ص۱۸۹، ح ۷۰۵ وذيله.    
۱۹. التنقيح الرائع، ج۴، ص۲۲۲.
۲۰. مفتاح الكرامة، ج۸، ص۲۵۷.
۲۱. جامع المدارك، ج۵، ص۳۹۰.    
۲۲. جواهر الكلام، ج۳۲، ص۸۹.    
۲۳. جواهر الكلام، ج۴۱، ص۲۵.    
۲۴. جواهر الكلام، ج۳۹، ص۳۲۴.    
۲۵. مباني العروة (النكاح)، ج۳، ص۲۵۴.    
۲۶. مباني العروة (النكاح)، ج۳، ص۲۵۴.    
۲۷. المنهاج (الخوئي)، ج۲، ص۵۴، م ۲۱۹.    
۲۸. إرشاد السائل، ج۱، ص۱۰۹.    
۲۹. القواعد الفقهية (اللنكراني)، ج۱، ص۱۷۳.
۳۰. كشف اللثام، ج۱۰، ص۲۷۳.    
۳۱. الشهادات، ج۱، ص۵۴-۵۵.    
۳۲. القواعد الفقهية (البجنوردي)، ج۳، ص۱۸۵.    
۳۳. القواعد الفقهية (اللنكراني)، ج۱، ص۱۷۲- ۱۷۳.
۳۴. الوسائل، ج۲۶، ص۱۵۹، ب ۴ من ميراث الإخوة والأجداد، ح ۶.    
۳۵. مستمسك العروة، ج۱۴، ص۵۲۸- ۵۲۹.    
۳۶. القواعد الفقهية (المكارم)، ج۲، ص۱۶۵.
۳۷. القواعد الفقهية (البجنوردي)، ج۳، ص۱۸۷.    
۳۸. القواعد الفقهية (البجنوردي)، ج۳، ص۱۸۷.    
۳۹. الوسائل، ج۲۶، ص۱۵۸، ب ۴ من ميراث الإخوة والأجداد، ح ۴.    
۴۰. القواعد الفقهية (البجنوردي)، ج۳، ص۱۸۷.    
۴۱. الوسائل، ج۲۲، ص۷۵، ب ۳۰ من مقدّمات الطلاق، ح ۱۱.    
۴۲. القواعد الفقهية (المكارم)، ج۲، ص۱۶۵.
۴۳. الشرائع، ج۴، ص۵۳- ۵۴.
۴۴. القواعد، ج۳، ص۳۹۹.    
۴۵. جواهر الكلام، ج۳۹، ص۳۲۵.    
۴۶. العروة الوثقى، ج۱، ص۴۶، م ۵۵.    
۴۷. تحرير الوسيلة، ج۱، ص۸، م ۳۳.
۴۸. تفصيل الشريعة (الاجتهاد والتقليد)، ج۱، ص۲۹۵- ۲۹۶.


المصدر

[تعديل]

الموسوعة الفقهية، ج۱۶، ص۳۷۶-۳۸۲.    



جعبه ابزار