حدود الإباحة الثانوية

احفظ هذه المقالة بتنسيق PDF



ذكر فقهاؤنا في ثنايا بحوثهم المتفرّقة على أبواب الفقه بعض الحدود المتعلّقة بالإباحة الثانويّة أي الإباحة الحاصلة بارتفاع التكليف إثر عروض بعض العناوين كالاضطرار والعسر والحرج والمشقّة والتقيّة والجنون ونحو ذلك، نذكر فيما يلي أهمّها:
۱- إنّ التكليف يرتفع عن المكلّف بالمقدار الذي تقتضيه العناوين الطارئة، وما دام العنوان موجوداً فلا يجوز للمضطرّ إلى أكل الميتة التناول منها بأكثر ممّا يقيم أوده، ولذلك أفتى الفقهاء بعدم أكله إلى حدّ الشبع.قال الشيخ الطوسي : «لا يجوز للمضطرّ إلى أكل الميتة أن يأكل أكثر ممّا يسدّ الرمق، ولا يحلّ له الشبع... دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم». وقال الفاضل الاصبهاني : «قدر المستباح وهو ما يسدّ الرمق، والتجاوز عنه حرام عندنا كما في التبيان ومجمع البيان وروض الجنان ، وصرّح بالإجماع في الخلاف، وسواء بلغ الشبع أو لا». وقال الفاضل النراقي : «يستثنى... من كلّ محرّم أيضاً ما إذا دعا إلى تناوله التقيّة؛ للإجماع، وأدلّة وجوب التقيّة، ويجب الاقتصار فيها على قدر التقيّة».
۲- إنّ الإباحة الثانويّة بملاك الإكراه أو التقيّة أو الاضطرار لا تثبت في الموارد الموجبة لهدر دم محقون الدم على رأي المشهور.
قال ابن البرّاج : «فإن أكرهه (الخليفة المأمور) فقال له: إن قتلته وإلّا قتلتك لم يجُز له قتله وإن كان خائفاً؛ لأنّ قتل المؤمن لا يجوز استباحته بالإكراه على قتله». وقال الشيخ الأنصاري : «أمّا الفرد الواجب (من التقيّة) فهو يبيح فعل كلّ محرّم وترك كلّ واجب إلّا إهراق الدم؛ للنصّ المخصّص للعمومات الآتية». ومراده من النصّ قوله عليه السلام: «فإذا بلغت التقيّة الدم فلا تقيّة».
وخالف في ذلك السيّد الخوئي حيث أرجع التقيّة إذا بلغت الدم إلى باب‌ التزاحم ، قال: «لو أكرهه على القتل، فإن كان ما توعّد به دون القتل فلا ريب في عدم جواز القتل... وإن كان ما توعّد به هو القتل فالمشهور أنّ حكمه حكم الصورة الاولى، ولكنّه مشكل. ولا يبعد جواز القتل حينئذٍ، وعلى ذلك فلا قود ولكن عليه الدية ». ثمّ بيّن المبرّر لحكم الصورة الثانية فقال: «إذ الأمر يدور بين ارتكاب محرّم وهو قتل النفس المحترمة وبين ترك واجب وهو حفظ نفسه وعدم تعريضه للهلاك، وحيث لا ترجيح في البين فلا مناص من الالتزام بالتخيير.وعليه فالقتل يكون سائغاً وغير صادر عن ظلم وعدوان، فلا يترتّب عليه القصاص ...». وتفصيل ذلك يرجع فيه إلى مصطلح (تقيّة).
۳- إنّ التكليف المرتفع بسبب عروض بعض هذه العناوين لا يشمل حالة دفع الضرر عن مال نفسه بالإضرار بمال غيره إلّا في صورة الخوف من تلف النفس المحترمة.قال السيّد الخوئي: «إذا أكرهه الظالم على نهب مال غيره وجلبه إليه، وإلّا فيحمل أموال نفسه إليه، وفي هذه الصورة لا بدّ للمكره من تحمّل الضرر بترك النهب.ومن الواضح أنّ دفع المكره أمواله للجائر مباح في نفسه حتى في غير حال الإكراه ونهب أموال الناس... ولا يجوز رفع اليد عن المباح بالإقدام على الحرام».
[۸] مصباح الفقاهة، ج۱، ص۴۴۵.
وكذا لا يشمل دفع الضرر عن أحد بالإضرار بآخر أيضاً.قال السيّد الخوئي: «(أدلّة) نفي الإكراه وشبهه واردة في مقام الامتنان على الامّة بعمومها فلا يصحّ التمسّك بها لدفع الضرر عن أحد بتوجيه الضرر إلى غيره؛ لأنّ ذلك على خلاف الامتنان في حقّ ذلك الغير».
[۹] مصباح الفقاهة، ج۱، ص۴۴۹.
وما ذكره رحمه الله ردّ على من قد يتمسّك بالإطلاق الوارد في أدلّة هذه العناوين كحديث الرفع ونحوه لإثبات جواز الإضرار بمال الغير لدفع الضرر عن مال نفسه.
۴- إنّ التكليف بحرمة التصرّف في مال الغير في المضطرّ إنّما يرتفع في صورة عدم كون عنوان الإضرار ثابتاً بذاته في حقّ صاحبه أيضاً، ومعه فلا يجوز للمضطرّ مزاحمة صاحب المال المضطرّ مثله على ماله كما لا يجب، بل قد يحرم على صاحب المال بذله للأوّل.قال العلّامة الحلّي : «لو وجد المضطرّ طعام الغير فإن كان صاحبه مضطرّاً فهو أولى، ولو كان يخاف الاضطرار فالمضطرّ أولى».
۵- إنّ الإباحة الثانويّة لا تثبت ما لم يحرز المكلّف تحقّق موضوعها بمحرز شرعي كحصول القطع أو الاطمئنان أو الظنّ المعتبر، فلا يكفي توهّم الإكراه والاضطرار والعسر والحرج والمشقّة والعجز أو احتمالها في ارتفاع الأحكام الأوّلية وثبوت الإباحة. نعم، قد يثبت في ذلك إباحة ثانوية ظاهرية.
۶- قد يؤخذ في موضوع الإباحة الثانويّة خوف الضرر أو المرض، فلا يحتاج إلى إحراز الضرر أو المرض، بل يكفي حصول خوف الضرر ولحوق الأذى بالنفس أو المال أو العرض وخوف المرض، والخوف فيها يتحقّق مع الوهم والاحتمال ولو لم يحصل الظنّ بما يخاف منه. ولذلك قال العلّامة الحلّي: «يباح للمضطرّ- وهو خائف التلف لو لم يتناول أو المرض أو طوله أو عسر علاجه أو الضعف عن مصاحبة الرفقة مع خوف العطب عند التخلّف أو عن الركوب المؤدّي إلى الهلاك - تناول كلّ المحرّمات». لكن بعض الفقهاء ذهب إلى عدم كفاية مجرّد التوهّم والاحتمال، حيث قال:«والاضطرار يحصل بخوف التلف، ولكن يكون مع الظنّ لا مجرّد التوهّم والاحتمال، وكذا بخوف حصول المرض الذي يكون شاقّاً لا يتحمّل...». إلّا أنّ مشهور الفقهاء على خلافه.
۷- إنّ الإباحة الثانويّة في حقّ المكلّف إنّما تثبت مع عدم مزاحمة واجب‌ آخر أهمّ لها، فوجوب حفظ النفس عند الاضطرار إنّما يقتضي إباحة المحرّمات في صورة عدم مزاحمتها لوجوب حفظ نفس الغير الأشرف منزلةً وإلّا لم ترتفع الحرمة.قال المحقّق النجفي: «لو اضطرّ إلى طعام الغير وليس له الثمن وجب على صاحبه الحاضر غير المضطرّ إليه بذله؛ لأنّ في الامتناع إعانة على قتل المسلم...نعم، لو كان هو مضطرّاً إليه أيضاً لم يجب بذله له إلّا أن يكون نبيّاً أولى به من نفسه».
۸- إنّ العناوين الثانويّة إن ثبتت فلا تؤدّي إلّا إلى ارتفاع الأحكام التكليفية الالزامية، وأمّا ارتفاع الأحكام الوضعية كضمان قيمة مال الغير أو نجاسة الملاقي للميتة ونحو ذلك فلا. ولذلك قال المحقّق النجفي: «إن كان المضطرّ قادراً على دفع ثمنه (الطعام‌) لم يجب على المالك بذله مجّاناً قطعاً؛ لأنّ ضرورة الجائع تندفع ببذله الثمن القادر عليه، بل لو كان عاجزاً لم يجب بذله كذلك... للأصل ومعلوميّة عصمة مال المسلم، ووجوب البذل عليه لا ينافي ثبوت العوض في ذمّة المبذول له». لكن بعض الفقهاء ألزم صاحب الطعام ببذله للمضطرّ مجّاناً في حال عدم قدرة المضطرّ على دفع ثمنه ولو في بلده.ولذلك قال في الخلاف : «وإن لم يكن واجداً أصلًا وجب عليه بذله بغير بدل».


المراجع

[تعديل]
 
۱. الخلاف، ج۶، ص۹۳- ۹۴، م ۲۲.    
۲. كشف اللثام، ج۲، ص۲۷۳ (حجري).    
۳. مستند الشيعة، ج۱۵، ص۳۳.    
۴. المهذّب، ج۲، ص۴۶۷.    
۵. كتاب الصلاة (تراث الشيخ الأعظم)، ج۲، ص۴۷۷.    
۶. الوسائل، ج۱۶، ص۲۳۴، ب ۳۱ من الأمر والنهي، ح ۲.    
۷. مباني تكملة المنهاج، ج۲، ص۱۳- ۱۴.    
۸. مصباح الفقاهة، ج۱، ص۴۴۵.
۹. مصباح الفقاهة، ج۱، ص۴۴۹.
۱۰. قواعد الأحكام، ج۳، ص۳۳۵.    
۱۱. إرشاد الأذهان، ج۲، ص۱۱۴.    
۱۲. مجمع الفائدة والبرهان، ج۱۱، ص۳۱۲.    
۱۳. جواهر الكلام، ج۳۶، ص۴۳۲- ۴۳۳.    
۱۴. جواهر الكلام، ج۳۶، ص۴۳۴.    
۱۵. الخلاف، ج۶، ص۹۵.    


المصدر

[تعديل]

الموسوعة الفقهية، ج۲، ص۱۱۰-۱۱۴.    



جعبه ابزار