الاختلاف في تلف العين المستأجرة
احفظ هذه المقالة بتنسيق PDF
ويقع بحثه ضمن الفروع التالية: ۱- الاختلاف في تعدّي المستأجر وإتلافه للعين، ۲- الاختلاف في تعدّي الأجير.
إذا اختلفا في كون العين تالفة تحت يد المستأجر أو انّه أتلفها بتعدٍّ أو تفريط فالقول قول المستأجر عندهم لكون يده أمينة فلا ضمان عليه من حيث التلف، وأمّا
الإتلاف والتعدّي فالأصل عدمه فيكون على مدّعيه- وهو المالك-
الإثبات والمستأجر هو المنكر. وهذا واضح عند الفقهاء في دعوى تلف العين المستأجرة لدى المتصرف. وإنّما اختلفوا في دعوى
الأجير تلف العين التي يعمل فيها، فإنّه وإن كان أميناً أيضاً والأصل عدم الإتلاف والتعدّي إلّا أنّه مع ذلك قيل فيه بالضمان وأنّ القول قول المالك؛ لروايات خاصة دلّت على ذلك في حق الأجير مطلقاً أو إذا كان متّهماً. وسيأتي بحثه.
قال العلّامة: «وإن ادعى أنّ العبد أبق من يده وأنّ الدابة سرقت أو انفقت وأنكر المؤجر فالوجه تقديم قول المستأجر؛ لأنّه أمين ولا
أجر عليه إذا حلف على التلف عقيب العقد؛ لأصالة عدم
الانتفاع ... ولو ادعى الصانع أو الملّاح أو المكاري هلاك المتاع وأنكر المالك كلّفوا بالبيّنة؛ لأنّهم ادعوا خلاف الأصل، فإذا فقدت فعليهم الضمان».
لو ادعى الصانع هلاك العين أو ضياعها وأنكر المالك ذلك ففي ضمان الصانع اختلاف منشئه اختلاف الأخبار، وهي على طوائف:
ما دلّ على الضمان مطلقاً، بلا فرق بين المتهم وغيره: منها: صحيح
الحلبي عن
أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «في الغسّال والصبّاغ ما سرق منهم من شيء فلم يخرج منه على أمر بيّن أنّه قد سرق، وكلّ قليل له أو كثير، فإن فعل فليس عليه شيء، وإن لم يقم البيّنة وزعم أنّه قد ذهب الذي ادعى عليه فقد ضمنه إن لم يكن له بيّنة على قوله».
ومنها: خبر أبي بصير- بطريق
الشيخ الصدوق - عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سألته عن قصّار دفعت إليه ثوباً فزعم أنّه سرق من بين متاعه؟ فقال: «فعليه أن يقيم البيّنة أنّه سرق من بين متاعه وليس عليه شيء، فإن سرق متاعه كلّه فليس عليه شيء».
ما دلّ على عدم الضمان مطلقاً، والتي منها صحيح
معاوية بن عمار عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سألته عن الصبّاغ والقصّار؟ فقال: «ليس يضمنان».
وهي ما تضمنت التفصيل بين الأجير المتهم وغيره، وذلك بضمان الأوّل دون الثاني: منها: صحيح
جعفر بن عثمان قال: حمل أبي متاعاً إلى الشام مع جمّال فذكر أن حملًا منه ضاع، فذكرت ذلك لأبي عبد اللَّه عليه السلام، فقال: «أ تتهمه؟» قلت: لا، قال: «فلا تضمّنه».
ومنها: معتبرة أبي بصير عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في الجمّال يكسر الذي يحمل أو يهريقه، قال: «إن كان مأموناً فليس عليه شيء، وإن كان غير مأمون فهو ضامن».
ما دلّ على استحلاف العامل: منها: رواية
بكر بن حبيب قال: قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام: أعطيت جبة إلى القصّار فذهبت بزعمه، قال: «إن اتهمته فاستحلفه، وإن لم تتهمه فليس عليه شيء».
ومنها: صحيح أبي بصير عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «لا يضمن الصائغ ولا القصّار ولا الحائك، إلّا أن يكونوا متهمين فيخوّف بالبيّنة ويستحلف لعلّه يستخرج منه شيئاً». وفي رجل استأجر جمالًا فيكسر الذي يحمل أو يهريقه، فقال: «على نحوٍ من العامل، إن كان مأموناً فليس عليه شيء، وإن كان غير مأمون فهو ضامن».
ومن هنا اختلفت آراء الفقهاء في المسألة.
فقال
الشيخ المفيد و
السيد المرتضى بضمان القصّار والخياط ونحوهما من الصنّاع ما جنته أيديهم على السلع وما تسلّموه من المتاع، إلّا أن يظهر هلاكه ويشتهر بما لا يمكن دفعه، أو تقوم لهم بيّنة بأنّه هلك من غير تفريط ولا تعد فيه،
واختاره الشيخ والمحقق والعلّامة،
بل نسبه
الشهيد الثاني إلى المشهور، هذا مع اعترافهم بأنّ قبول قول الصنّاع مع اليمين هو أشهر الروايتين. وقد استدلّ للضمان- مضافاً إلى
الإجماع والنبوي
«على اليد ما أخذت حتى تؤديه»،
ومخالفة دعوى التلف؛ للأصل
- بالروايات الخاصة المتقدمة في الطائفة الاولى كرواية الحلبي وخبر أبي بصير. مضافاً إلى ما في جملة من النصوص من التعليل
بالاحتياط في أموال الناس.
وهذه الأخبار وإن كان في قبالها ما يدلّ على عدم ضمان الصانع كرواية معاوية بن عمار المتقدمة إلّا أنّه حملها الشيخ في
الاستبصار على
استحباب عدم التضمين إن كان مأموناً، وإن لم يكن ذلك واجباً، ثمّ استدلّ عليه بما رواه الحلبي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «كان علي عليه السلام يضمّن القصّار والصانع احتياطاً، وكان أبي يتطوّل عليه إذا كان مأموناً».
ومثله ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللَّه عليه السلام.
ثمّ إنّه ربّما يقال: قد تكون الروايات النافية للضمان بصدد بيان عدم الضمان عند التلف إن لم يكن بتعدّ أو تفريط؛ لعدم ذكر الدعوى فيها لتكون ظاهرة في مرحلة الدعوى والترافع لا مرحلة الثبوت. كما أنّ الروايات المفصّلة بين فرض
الأمانة وفرض التهمة لا تدلّ على أكثر من عدم الضمان في صورة الوثوق و
الاطمئنان بعدالة الرجل وأمانته، فيكون الحكم بعدم الضمان أو التضمين فيه بلحاظ
إحراز موضوع الحكم الواقعي؛ إذ ليس المراد بالأمانة والمأمونية فيها
الاستئمان بالمعنى الفقهي، بل المراد الوثوق والاطمئنان وعدم التهمة؛ لثبوت الاستئمان الفقهي حتى مع
الاتهام .
وأمّا الروايات الدالّة على استحلاف العامل فسيأتي الجواب عنها.
وفي المسألة قول آخر وهو قبول قول الصانع مع اليمين، ذهب إليه جمع كثير من الفقهاء،
بل نسب إلى الأكثر،
كما أنّه الأشهر عملًا
بل رواية.
قال في
العروة الوثقى : «إذا ادّعى الصائغ أو الملّاح أو المكاري تلف المتاع من غير تعد ولا تفريط وأنكر المالك التلف أو ادّعى التفريط أو التعدّي قدّم قولهم مع اليمين على الأقوى».
وقد استدلّ عليه- مضافاً إلى الإجماع
و
الأصل - بقاعدة الأمانة،
وبروايات خاصة،
كصحيحة معاوية بن عمار الماضية، فإنّها وإن دلّت على عدم الضمان مطلقاً من دون حاجة إلى اليمين، إلّا أنّها تقيّد بمفاد الأخبار الدالّة على
الاستحلاف . وهذه الأخبار وإن كان في مقابلها أخبار اخر تدلّ على ضمان الصانع إن لم يكن مأموناً،
أو الضمان مطلقاً،
كما تقدم، وجاء في طائفة اخرى عدم الضمان من باب التفضّل،
إلّا أنّه اجيب عنها أوّلًا: بامكان حملها على فرض
الإفساد بأيديهم،
بل في بعضها إيماء إلى ذلك. وحينئذٍ يتجه الضمان؛ لعموم (من أتلف...) ونحوه، إلّا أنّه يستحب التفضّل عليهم إذا كانوا مأمونين بعدم تغريمهم.
أو حملها على تأخير المتاع عن الوقت المشترط
كما في رواية
الكاهلي عن
الصادق عليه السلام قال: سألته عن القصّار يسلّم إليه الثوب واشترط عليه أن يعطي في وقت؟ قال: «إذا خالف وضاع الثوب بعد الوقت فهو ضامن».
وثانياً: بأنّ النظر في مجموع هذه الأخبار والتأمّل في لفظ
الأجير المشترك ونحوه الوارد فيها وشدة اختلافها وما حكي عن علماء السنّة على اختلاف أقوالهم يقتضي خروجها مخرج التقية، بل ربّما يحصل الجزم بذلك، خصوصاً مع ملاحظة اختلافها واختلافهم، واتحاد بعض ألفاظها وألفاظهم. ومن هنا أعرض هؤلاء الفقهاء عن هذه النصوص على سبيل
الالزام ، وعملوا بالنصوص الموافقة لقاعدة الأمانة.
نعم حكموا بكراهة تضمين الأجير في مورد ضمانه من قيام بيّنة على إتلافه أو تفريطه في الحفظ أو تعدّيه أو نكوله عن اليمين أو نحو ذلك
أو استحباب التفضّل عليه عملًا ببعض الروايات المتقدمة أو
للتسامح في أدلّة السنن .
وحمل الشيخ في
التهذيب رواية معاوية بن عمار الدالّة على عدم ضمان الصبّاغ والقصّار على ما إذا كانا مأمونين، أمّا مع التهمة فإنّهما يضمنان كما مر في خبر أبي بصير وغيره من أخبار الطائفة الثالثة. وفي الحدائق أيضاً: أنّ مقتضى الجمع بين الأخبار ضمان الصانع إذا كان متهماً، إلّا أن يقيم البيّنة أو يكون التلف لأمر ظاهر، وعدم الضمان إذا كان أميناً وغير متهم من دون حاجة إلى يمين؛ لعدم الدليل عليه.
وقد أفتى بذلك بعض المتأخّرين من الفقهاء.
وأجاب عن الروايات الدالّة على أنّ وظيفة العامل لدى الاتهام هو الحلف وأنّه لا يطالب بالبيّنة؛ بأنّ بعض تلك الروايات- كرواية بكر بن حبيب- ضعيف السند؛ نظراً إلى
إهمال الراوي في كتب الرجال. نعم، رواية أبي بصير المتقدمة معتبرة، لكن الظاهر قصور دلالتها، والوجه في ذلك صراحة حكمه عليه السلام بالضمان في صورة الاتهام. ومن الواضح أنّ المتهم لا يخرج عن عهدة الضمان إلّا باقامة البيّنة على الخلاف، ولا ينفعه الحلف أصلًا. إذاً فالاستحلاف المذكور فيها بقرينة التخويف وبيان الغاية بقوله عليه السلام: «لعلّه..» ناظر إلى ما قبل المرافعة، ولا دلالة فيها على حكم ما بعد ذلك. بل قوله عليه السلام: «إلّا أن يكونوا...» ظاهر في الضمان، ويعضده ذيل الصحيحة.
ولو أغمضنا النظر عن ذلك وعمّا في روايتي بكر بن حبيب من الضعف وافترضنا اعتبارهما فلا معارضة بينها وبين الروايات المتقدمة الدالّة على الضمان ومطالبة العامل بالبيّنة؛ إذ غاية ذلك الدلالة على جواز
الاكتفاء بالاستحلاف بدلًا عن المطالبة بالبيّنة، فتكون النتيجة تخيير المالك بين الأمرين. نعم، تستقيم المعارضة فيما لو دلّت على عدم جواز المطالبة بها، إلّا أنّه لا دلالة فيها على ذلك.
الموسوعة الفقهية، ج۴، ص۴۳۱- ۴۳۷.