قاعدة الجب
احفظ هذه المقالة بتنسيق PDF
الجبّ بمعنى قطع الشيء من
أصله ومحوه، وقاعدة الجب هي عبارة عن محو الآثار والتبعات المترتّبة على الأفعال والتروك التي ابتلي بها
الكافر حال كفره من قضاء أو كفّارة أو مجازاة أو
عذاب إلهي.
لا شكّ في أنّ
التوسعة على العباد
بتشريع قاعدة الجبّ تعدّ خطوة
حضارية من شأنها بعث الشوق في نفوس الكفّار للدخول في الإسلام، بخلاف الخوف من
المجازاة و
التحذّر من التبعات؛ فإنّه يمنع الكثير ممّن تميل نفوسهم إلى الإسلام عن قبوله، فجاءت القاعدة لتزيح
الحواجز وتفتح الطريق للتشرّف بدين الإسلام. وليس
إعفاؤهم عن
الزكاة وعدم مطالبتهم بقضاء العبادات وغضّ الطرف عن الكثير من المخالفات إلّا لأجل ذلك. فأيّ اسلوب يختلف عن ذلك يؤدّي إلى آثار معاكسة ونفرة من الدين و
الابتعاد عن شريعة سيّد
المرسلين .
لم يستدلّ علماؤنا بحديث الجَبّ في مسائلهم الفقهيّة إلى زمان
الشيخ الطوسي الذي استدلّ بهذا
الحديث في كتاب
الخلاف فقط
دون كتبه الفقهيّة والروائيّة الاخرى. ويبدو أنّ أوّل من أطلق عنوان (قاعدة الجَبّ) وطرحها بهذا
الاسم هو
السيّد اليزدي ،
ثمّ راج
استعمالها بعد ذلك حتى صارت معروفة بهذا الاسم.
ذكر الفقهاء أدلّة متعدّدة للقاعدة، وهي كما يلي:
استدلّ جملة من فقهائنا
بقوله تعالى: «قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ»،
متمسّكين بظهورها في
استلزام الكفّ عن الكفر والدخول في الإسلام لغفران جميع ما سلف حال الكفر،
فإنّه لا ذنب أعظم من
الشرك ، فإن جرت فيه
المغفرة جرت فيما سواه.
واورد عليه بأنّ الآية ظاهرة في المعاصي والمخالفات العمليّة و
الاعتقاديّة للفروع و
الأصول ، دون قضاء ما فات من عباداته كالصلاة والصوم،
بل ذهب بعضهم إلى أنّها ناظرة إلى
معصية الكفر دون المعاصي الاخرى.
ولعلّه لذلك لم يستدلّ بالآية الكثير من فقهائنا.
استدلّ الفقهاء-
بالإضافة إلى سيرة
النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عدم محاسبته الآخرين على مخالفاتهم العمليّة أيّام الكفر
- بالأخبار، وهي متعددة، يقف على رأسها الخبر
المشهور المعروف المرويّ من طرق
الإمامية وغيرهم، وبعبارات مختلفة في كتب الحديث و
الفقه و
التفسير واللغة، وهو المعروف
بحديث الجَبّ أو
حديث الهدم ؛ حيث ورد فيه تعبيران:
أحدهما: ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «الإسلام يجبّ ما قبله».
وقد رواه من طرقنا
علي بن إبراهيم القمّي في التفسير المنسوب إليه عند قوله تعالى: «وَقَالُوا لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً»،
حيث ذكر أنّ القائل هو
عبد الله بن أبي امية أخو امّ سلمة، وقد جاء يعرض إسلامه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الفتح، فأعرض عنه صلى الله عليه وآله وسلم، فاستشفع باخته امّ سلمة، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يا
امّ سلمة ، إنّ أخاك كذّبني
تكذيباً لم يكذّبني أحد من الناس، هو الذي قال لي: «لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً»»... قالت امّ سلمة:
بأبي أنت و
امّي يا رسول اللَّه، ألم تقل: إنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله؟ قال: «نعم»، فقبل
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إسلامه.
كما رواه أيضاً
ابن أبي جمهور الأحسائي مرسلًا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ورواه كذلك الشيخ الطوسي في كتاب الخلاف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: «الإسلام يجبّ ما قبله، و
التوبة تجبّ ما قبلها من الكفر».
وأمّا الجمهور فقد رووا هذا الحديث في كيفيّة إسلام
عمرو بن العاص حيث قال: دنوت من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول اللَّه إنّي ابايعك على أن تغفر لي ما تقدّم من ذنبي ولا أذكر ما تأخّر، قال: فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: «يا عمرو، بايع، فإنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله، وأنّ
الهجرة تجبّ ما كان قبلها»، قال: فبايعته ثمّ انصرفت.
ثانيهما: ما ورد بلفظ (الهدم) وهذه الصيغة رويت أيضاً من طرقنا وطرق الجمهور، فقد رواها من طرقنا
ابن شهر آشوب ، وجاء في الحديث أنّ رجلًا جاء إلى عمر فقال: إنّي طلّقت امرأتي في الشرك
تطليقة ، وفي الإسلام تطليقتين فما ترى؟ فسكت عمر، فقال له الرجل: ما تقول؟ قال: كما أنت حتى يجيء
علي ابن أبي طالب ، فجاء علي عليه السلام فقال: «قصَّ عليَّ قصّتك»، فقصّ عليه القصّة، فقال عليه السلام: «هدم الإسلام ما كان قبله، هي عندك واحدة».
كما رواها الجمهور في بعض كتبهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قضية إسلام عمرو بن العاص أيضاً أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاطبه قائلًا: «أما علمت أنّ الإسلام يهدم ما كان قبله، وأنّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأنّ الحجّ يهدم ما كان قبله؟!».
وقد تمسّك الكثير من فقهائنا بهذا الحديث
واعتبروا ضعفه
منجبراً بالشهرة.
قال
الميرزا القمّي : «لا وجه للقدح في السند والدلالة؛ إذ هو متلقّى بالقبول،
مستفيض ، بل ادّعي تواتره».
لكن مع ذلك رفض
السيّد العاملي و
المحقّق الخوئي الاستدلال به، وذلك:
أوّلًا: لضعف سنده؛ إذ لم ينقل من طرقنا إلّا مرسلًا تارة في تفسير علي بن إبراهيم القمي، واخرى في
عوالي اللآلي الذي قدح فيه وفي مؤلّفه حتى من ليس من عادته قدح الآخرين
كالمحدّث البحراني ،
ولم ينقله الشيخ الطوسي في كتابيه الروائيّين رغم استدلاله به في كتاب الخلاف
الذي تعرّض فيه لفقه الجمهور.
فكيف يمكن والحال هذه
اعتبار سنده منجبراً بالشهرة التي لم تظهر إلّابين المتأخّرين، بينما لم يتعرّض للحديث المتقدّمون الذين تكون شهرتهم جابرة لضعف السند دون المتأخّرين.
وثانياً: أنّ من لاحظ مضمون رواية علي بن إبراهيم يقطع بعدم صدورها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنّه أجلّ شأناً من أن يقول ما لا يفعل، أو يعرضه
النسيان حتى يصل الأمر إلى
مؤاخذة امّ سلمة له، وعدوله عمّا كان عازماً عليه وقبوله إسلام أخي امّ سلمة.
وأمّا ما رواه ابن شهر آشوب في
المناقب فهو قاصر الدلالة؛ لعدم
اشتماله على عموم أو
إطلاق يستدلّ به للمقام؛ فإنّ المراد بالموصول إنّما هو خصوص الطلاق الواقع حال الشرك لا كلّ فعل أو ترك صدر منه حال كفره.
إلّاأنّ بعض من ناقش في سند الحديث وافق على مضمونه في الجملة على أساس الدليل الثالث الآتي، فوافق المضمون واختلف في
المستند .
حيث إنّه لم يكن يحكم عمليّاً على من أسلم من الكفّار بقضاء صلاته وصيامه الفائت منه أيّام كفره، كما أنّه لم يكن يعاقب بالحدّ أو
التعزير على ما ارتكبه من المخالفات الشرعيّة المستوجبة لذلك في زمان كفره وعدم إسلامه.
وهذه
السيرة و
التسالم العملي بين المسلمين والمتشرّعة ممّا لا يمكن
إنكاره ، وهو كاشف قطعي عن الحكم الشرعي، إلّا أنّه حيث يكون دليلًا لبّياً فيقتصر فيه على المتيقّن، فلو شكّ في ثبوت الحكم بالجب لمورد أو بالنسبة إلى حكم خاص لم يمكن التمسّك بهذا الدليل
لإثباته فيه، كما هو المقرّر في الأدلّة اللبّية.
الظاهر
اختصاص القاعدة بالكافر الأصلي دون الذي أسلم بعد
ارتداده ؛
لأنّ الدليل على القاعدة إن كان عبارة عن الأحاديث المتقدّمة فالظاهر اختصاصها بالكافر الأصلي؛ لتبادر ذلك منها.
وإن كانت السيرة النبويّة فمعلوم أنّها غير محقّقة بالنسبة للمرتدّ؛ لأنّ
الملّي منه كان يستتاب ثمّ يقتل عند
امتناعه عن التوبة، و
الفطري لم يعهد في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى يستدلّ عليه بالسيرة.
ولعلّ الحكمة من عدم شمول القاعدة للمرتدّ ما ذكره
المحقق الحلّي من أنّ
الكافر الأصلي لو الزم
جبران ما فاته لامتنع عن قبول الإسلام، بخلاف المرتدّ فإنّ
إلزامه به رادع له عن ارتداده.
وممّا تقدّم يظهر السبب في عدم شمول القاعدة
للفرق الإسلامية حتى المحكوم بكفرها. نعم، قام الدليل
على نفي وجوب قضاء بعض العبادات عنهم إذا أتوا بها صحيحة على مذهبهم،
وهذا لا ربط له بالقاعدة.
لكن هناك من مال إلى شمول القاعدة للمخالفين من
أتباع سائر
المذاهب الإسلامية ،
وخصّها بعضهم بالمحكوم بكفرهم.
•
موارد جريان قاعدة الجب ، أ-العقوبة الاخروية، ب-العقوبة الدنيوية، ج-العبادات، د-الحقوق الماليّة الواجبة شرعاً، ه-صحّة العقود السابقة، و-صحّة
الإيقاعات السابقة، ؤ-الواجبات الموسّعة.
المعروف بين فقهائنا عدم
ارتفاع الحدث بالإسلام،
فيجب الغسل على من كان محدثاً
بالحدث الأكبر كالجنابة مثلًا؛ لصدق عنوان الجنب، فيشمله قوله تعالى: «وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا»،
ولأنّ
النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد أمر من أراد الدخول في الإسلام بالغسل.
وكذا الكلام في
الحدث الأصغر ، فإنّه يجب على من أسلم أن يتوضّأ لأوّل صلاة يصلّيها؛ لصدور الحدث منه حال كفره.
وأمّا الخبث ففي ارتفاعه بالإسلام قولان، يأتي البحث عنهما في طهارة الكافر بالإسلام.
ويراد منها الديون وضمان المغصوبات والمتلفات ونحوها، وهي غير مشمولة لقاعدة الجَبّ؛ لما ذكرناه من أنّ نفيها خلاف سياق
الامتنان في القاعدة، بل لا
إطلاق في دليل
القاعدة اللبي لمثل هذه الحقوق والأحكام، على أنّه لو تمّ
الدليل اللفظي عليها أيضاً لم يكن فيه إطلاق لذلك بعد أن كان النظر فيها إلى نفي ما يلزم به في قبال الشارع وحقوق اللَّه تعالى، لا حقوق الآخرين ممّا لا ربط له بإسلامه أو كفره.
وعلى ذلك معظم الفقهاء،
فلابدّ من
تفريغ الذمّة من جميع ذلك، إلّاإذا كان من له الحقّ كافراً حربياً مهدور الدم والمال؛ للإجماع ولارتفاع موضوع الحق فيه.
وهناك من تأمّل في المسألة
أو تردّد فيها،
لكن قيل: إنّه لا وجه لهذا التردّد؛ وذلك لعدم وجود مبرّر واضح له.
الموسوعة الفقهية، ج۱۳، ص۴۹-۶۶.